الجانب المهني في فكر الإمام التربوي
إنّ اللّه قد فوّض إلى الإنسان عمارة الأرض وجعله يعمل ويسعى فيها ويسير في أرجائها ليعمرها ويستخرج منها أرزاقه . ثم أعطى البشر من الطاقات والاستعدادت والإمكانات ما يتناسب مع العمل على الأرض وأداء هذه الرسالة .
على ضوء هذا الأمر جاء في تعاليم الصادق ما يدلّ على هذا التناسق بين خلقة الإنسان ومهمته في الكون فقال : « فأما الإنسان فإنه ذو حيلة وكفّ مهيّأة للعمل فهو ينسج ويغزل و . . . » « 1 » .
فالإمام يبين بأنّ اللّه تعالى أمد الإنسان بما يحتاج إليه في العمل وهما أمران : قوة الفكر ( فإنّه ذو حيلة ) وطاقة العمل ( كفّ مهيأة ) ، ويريد سبحانه وتعالى أن يكون الإنسان كادحا عاملا مؤديا دوره في الحياة . وبما أنّ المهن والحرف وسيلة للإنسان في طلب معاشه ، فلا بدّ له من الاشتغال بمهنة أو حرفة حتى يستطيع أن يشبع حاجاته .
وهذا ما أشار إليه الصادق في كلامه ، فقال ما نصّه :
« وجعل سبحانه أسباب أرزاقهم - الناس - في ضروب الأعمال ، وأنواع الصناعات ، وذلك أدوم في البقاء ، وأصح في التدبير . » « 2 »
والواقع أنّ « الاشتغال وتحمل المسؤولية هو من ضروريات الحياة الحرة الكريمة في المجتمعات البشرية ومن يطمح لينال نصيبا من مزايا المدنية ويأكل لقمته بعز وكرامة عليه أن يكون عضوا نافعا في المجتمع ويأخذ على عاتقه عملا في حدود كفاءته وقدرته لينتفع من نتاج عمله هذا الآخرون مثلما ينتفع هو من نتاج عمل الغير . » « 3 »
على هذا الأساس يرى الصادق خلق المناخ الثقافي المربّي الذي يوجّه نحو العمل والمهنة أساسا هامّا في أي عملية تغيير وبناء ، فهو يرمي إلى هذا الهدف التربوي ، وانطلاقا منه قد يعبّر عن العمل بالعزّة فقال لمولى له : « يا عبد اللّه احتفظ بعزّك ، فقال :
وما عزّي ؟ قال : غدوك إلى سوقك وإكرامك نفسك » « 4 »
هامش
( 1 ) كاظم مظفر ، توحيد المفضل ، مرجع سابق ، ص 61 .
( 2 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 10 ، ص 171 .
( 3 ) محمد تقي فلسفي ، الشاب بين العقل والعاطفة ، مرجع سابق ، ج 2 ، ص 309 .
( 4 ) الطوسي ، تهذيب الأحكام ، ج 7 ، ص 4 ، ح 12 .