إلى عامل آخر ، دون أن يكون قد عمل فيه شيئا . فعند ما سئل عن الرجل يتقبل العمل فلا يعمل فيه ويدفعه إلى آخر فيربح فيه ، قال الإمام : « لا ، إلّا أن يكون قد عمل فيه شيئا » « 1 » .
وفي مجال آخر روى أحد تلاميذه فقال : سألته عن الرجل الخياط يتقبل العمل فيقطعه ويعطيه من يخيطه ويستفضل قال : « لا بأس قد عمل فيه » .
فقد أشار الإمام إلى القاعدة التي تقرّر « أن الكسب لا يقوم إلّا على أساس إنفاق عمل خلال مشروع ، فالعمل المنفق هو المبرّر الأساس الوحيد لحصول صاحبه على مكافأة » « 2 » وهذا من أهم التصورات التي يجب أن تكون في النشاطات المعيشية للفرد المسلم .
وقد يعمّق الإمام في بعض الأحيان المفهوم ذاته بأسلوب آخر فيقول :
« إني لأكره أن أستأجر الرحى وحدها ، ثم أؤجرها بأكثر ممّا استأجرتها ، إلّا أن أحدث فيها حدثا » « 3 » .
فالصادق يربّي ضمائر الناس ويجعل تفكيرهم يتّجه إلى أنّ الكسب لا بدّ أن يكون بمقدار ما يبذله الإنسان من سعي وكدح في الحياة ، فلن يحصل المال الطيب إلّا بجهد وعناء ومخاطرة ، ولذلك عندما قيل له :
ما بال المؤمن قد يكون أشحّ شيء ؟ قال : « لأنه يكسب الرّزق من حلّه ، ومطلب الحلال عزيز ، فلا يحبّ أن يفارقه شيئه لما يعلم من عزّ مطلبه » « 4 » .
ومن هنا فقد عني الإمام عناية كبيرة بمحاربة الربا الذي يمثل استغلالا فاحشا لحاجة الإنسان ، ويؤدي إلى كسب - عائد - مضمون يستأثر به المرابي دون أدنى مشاركة في العمل الجادّ وبناء اقتصاد الأمة .
ف « الربا يجعل المحتاج عبدا للغني ويجعل الغني عبدا للمال ، وذلك انحطاط بالمستوى البشري يتردى فيه الفقير والغني على السواء » « 5 » .
وهذا ما أكّده الصادق بالإشارة إلى سلبيات الربا الخلقيّة والاجتماعية والاقتصادية
هامش
( 1 ) الكليني ، فروع الكافي ، ج 5 ، باب الرجل يتقبّل بالعمل ، ح 1 .
( 2 ) محمد باقر الصدر ، اقتصادنا ، مرجع سابق ، ص 618 .
( 3 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 13 ، ص 263 ، ح 5 .
( 4 ) الصدوق ، من لا يحضره الفقيه ، ج 3 ، ص 560 ، ح 4924 .
( 5 ) أحمد شلبي ، الاقتصاد في الفكر الإسلامي ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1990 ، ط 8 ، ص 72 .