تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
ولا نرى جهود الإمام في التشجيع على الربح فحسب ، بل نرى اهتمام هذا المفكر التربوي بخلق التوازن القويم بين الاتجاه المادي والروحي من النشاط الاقتصادي والربح الحاصل عنه . فهو يريد أن يوجّه نظرة تلاميذه إلى أن الربح المادي يجب ألّا يكون هو الأساس الوحيد في المعاملات وإنّما يجب أيضا مراعاة القيم الأخلاقية مع التراحم والتعاطف ومراعاة الحقوق في المجتمع الإسلامي وهنا يتحقق التلازم والترابط بين الربح المادي والربح المعنوي . ولتسليط الضوء على تعاليمه البنّاءة ، نقدّم إحدى التطبيقات التي عمل بها الإمام نفسه حتى يرسّخ هذه النظرة السليمة في أفكار الناس وعقولهم ؛ حيث روي أن أبا عبد اللّه دعا مولى له ، يقال له مصادف فأعطاه ألف دينار ، وقال له : تجهّز حتى تخرج إلى مصر ، فإنّ عيالي قد كثروا . فتجهّز بمتاع وخرج مع التجار إلى مصر ، فلمّا دنوا من مصر استقبلتهم قافلة خارجة من مصر ، فسألوهم عن المتاع الذي معهم : ما حاله في المدينة - وكان متاع العامّة - ؟ فأخبروهم أنه ليس بمصر منه شيء ، فتحالفوا وتعاقدوا على أن لا ينقصوا متاعهم من ربح الدّينار دينارا . فلمّا قبضوا أموالهم وانصرفوا إلى المدينة دخل مصادف على أبي عبد اللّه ومعه كيسان في كل واحد ألف دينار فقال : هذا رأس المال ، وهذا الآخر ربح ، فقال : « إنّ هذا الربح كثير ولكن ما صنعته في المتاع ؟ » فحدّثه كيف صنعوا وكيف تحالفوا فقال : « سبحان اللّه ! تحلفون على قوم مسلمين أن لا تبيعوهم إلّا ربح الدّينار دينارا ! ثم أخذ أحد الكيسين فقال : هذا رأس مالي ولا حاجة لنا في هذا الربح ثم قال : يا مصادف مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال » « 1 » . فالإمام لا يسمح لوكلائه بتحقيق الأرباح غير العادية ويمقتهم ويذكّرهم بأنّ قيمة العمل في هذا السفر لم تكن في نظره كافية لأن يعودوا بالربح الذي ليس من حقه ، وهذا في الحقيقة غبن للمشتري . والواقع أنّ كلام الإمام متفرع من المبدأ الإسلامي العام الذي يحرّم الضرر والظلم للبائع والمبتاع سواء بسواء . ومن البديهي أنّ عرض السلعة عندما يكون منحصرا في فئة معينة أو مجموعة خاصة ، ولا يوجد أيّ منافس له في السوق ، فإنّه يمهد الأرضية للبائع للسيطرة على الأسعار ويبيع سلعته بأكثر حدّ من الربح « 2 » .
هامش
( 1 ) الكليني ، فروع الكافي ، ج 5 ، باب الحلف في الشراء والبيع ، ح 1 . ( 2 ) هذا ما يسمى في المصطلح الاقتصادي إحتكار البائعrelles yloponom( معجم مصطلحات اقتصادية ، ص 110 ) .