ولكنّ الإمام يعتبر الربح الفاحش في هذه الحالة والذي يتحقّق عن طريق دفع الثمن إجحافا بحق المشتري و « هو لم يفرض عقوبة للمغالين بالأسعار ؛ لأنّه لم يكن على رأس الدولة بل يكفيه أنه رفض ربحا كبيرا جاءه به وكلاؤه . . . فلم يعالج أمر الأسعار في عنف ولكنّه عالجه من طريق تهذيب الأخلاق ليكون أنجح وأدوم » « 1 » .
وهكذا علّم الصادق بردّ فعله مراعاة حق المشتري وعدم غبنه ، مع الالتفات بمفهوم الربح المعنوي الذي يحصل عليه المسلم عن طريق اهتمامه بهذه الحدود الشرعيّة والقيم الأخلاقية .
* العلاقة بين الكسب والعمل
إنّ النشاط الاقتصادي للفرد المسلم يرمي إلى الخروج من الفقر وتأمين المعاش على حد الكفاية « 2 » ، ولم يتحقّق هذا الهدف إلّا عن طريق الاهتمام بالكسب وهو « ما يتحرّاه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظ ككسب المال » « 3 » ولكنّ الاقتصاد الإسلامي جعل في طرق الكسب بعض الضوابط التي تكفل سلامة الفرد والمجتمع وعدم انحرافهما .
فالكسب و « التملك مباح من حيث المبدأ ولكنّه مقيّد بأن يكون حلالا من مأخذه ، حلالا في استخدامه ، وحلالا في إنفاقه ، فلا يكون من غصب أو سرقة أو غش أو احتكار أو ربا . . . » « 4 » .
كما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حذّر من أقوام لا يهتمون بكسب الحلال فقال : « يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام ؟ » « 5 » .
ومن أهم الضوابط التي عيّنها الإسلام في هذا الصدد مبدأ تنظيم الكسب من خلال جهد الإنسان وعمله ، ولم يسمح بتحصيل المال بدون عمل ، فالجهد البشري هو سبب الملكية والإنتاج سواء في حالات التفاعل المباشر مع الطبيعة ، أم بالتفاعل مع الأشياء في مرحلتها الثانية مرحلة التكييف والتصنيع .
وبالتأمل في النصوص الواردة عن الإمام المربّي ، نجد بأنّه يريد أن يرسّخ في ذهنية تلاميذه هذا الترابط وذلك من خلال تأكيده على عدم جواز إحالة العامل للعمل
هامش
( 1 ) عبد العزيز سيد الأهل ، جعفر بن محمد ، مرجع سابق ، ص 154 .
( 2 ) أي المستوى اللائق للمعيشة التي تختلف مع مفهوم « الكفاف » أي المستوى الأدنى للمعيشة لكل فرد .
( 3 ) الراغب الإصفهاني ، مفردات ألفاظ القرآن الكريم ، مادة كسب ، ص 468 .
( 4 ) محمد قطب ، تأصيل العلوم الاجتماعية ، مرجع سابق ، ص 146 .
( 5 ) أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب البيوع ، ح 2059 .