إضافة إلى ذلك ، فإن الإمام يرى العلاقة الجدلية واضحة بين الأزمات الاقتصادية والأخلاق وسلوك الأفراد ، فيؤكد ما يراه قائلا : « غلاء السعر يسيء الخلق ويذهب الأمانة ويضجر المرء المسلم » « 1 » .
فلا يستطيع عاقل أن ينكر تأثر القضايا الأخلاقية إلى حدّ كبير بالعوامل الاقتصادية ، ولا يمكن تجاهل مثل هذه العلاقة على ضوء هذه الحقيقة التجريبية الحسية و « من الصعوبة بمكان المحافظة على القيم الأخلاقية كالشهامة والصراحة والصدق والأمانة واستقلال الشخصية بالنسبة للفرد الجائع .
فليس بالضرورة أن يلجأ الجائع إلى الكذب والغش والخداع ، غير أنّه يكون أكثر استعدادا من غيره للوقوع في حبائل هذه الأمراض الاجتماعية ، والتعرض للانحرافات الخلقية وفقدان الإيمان » « 2 » .
من هنا يعتبر الصادق أن الفقر الاقتصادي قد يكون باعثا على ارتكاب الذنب ، كما أن الغنى المادي قد يصبح عاملا مساعدا على التقوى والصلاح ، فيقول : « غنى يحجزك عن الظلم خير من فقر يحملك على الإثم » « 3 » .
وعلى صعيد آخر ، يرى الإمام الصادق علاقة وثيقة بين قيام المجتمع الإسلامي ودوامه ، وبين النظام الاقتصادي السائد فيه ، فيتمثل ذلك قائلا :
« إن من بقاء المسلمين وبقاء الإسلام ، أن تصير الأموال عند من يعرف فيها الحق ويصنع المعروف . وإنّ من فناء الإسلام وفناء المسلمين ، أن تصير الأموال في أيدي من لا يعرف فيها الحق ولا يصنع فيها المعروف » « 4 » .
وهو يؤكد بأن ثروات الأمة إن كانت بيد الذين يعرفون الحق في الأموال ولا يسيئون استخدامها ، وينفقونها في وجوه البرّ بما يعود بالخير على كل الناس وعلى جوانب حياتهم المختلفة ، سواء المادية والروحية والفردية والاجتماعية ، ووفقا لمنهج اللّه تعالى ، فهذا يؤدي إلى حياة المجتمع وعزته وبقائه .
أما إن كان المال بيد أناس لا يعرفون حق اللّه تعالى في إدارة المال ويعتبرونه غاية ، ويسعون وراء الحرية في الاستغلال والملكية ، ويسوّغون لأنفسهم التكاثر والاكتناز ، فإن هذا سوف يؤدي إلى فساد المجتمع وسقوطه وهلاكه .
هامش
( 1 ) الكليني ، فروع الكافي ، باب الأسعار ، ج 5 ، ح 6 .
( 2 ) ناصر مكارم الشيرازي ، الخطوط الأساسية للاقتصاد الإسلامي ، دار الصفوة ، بيروت ، 1994 ، ص 29 ، ( بتصرف ) .
( 3 ) الصدوق ، من لا يحضره الفقيه ، ج 3 ، ص 166 ، ح 3614 .
( 4 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 521 .