فالإسلام حمّل الأفراد هذه المسؤوليات ، كلّ حسب موقعه ومؤهلاته ؛ وعلى هذا ، فإن هذا المجتمع ، أفرادا وأسرا وأمّة ، وبكل من فيه من رجال ونساء ، مدعوّ لانتهاج سبيل الخير والدعوة إليه ، وأفراده مدعوّون لأن يتواصوا بالحق ويتواصوا بالصبر . وهذا التواصي من « الوظائف الاجتماعية التي تمثل في المجتمع الإسلامي قوة الدفع إلى الارتقاء في سلّم الكمال ، وقوّة الحماية عن الانزلاق إلى دركات النقص ، وقوّة الصيانة التي تصون المكاسب التي يحققها المسلمون أفرادا وجماعات ، من مكاسب المعارف والفضائل الخلقية والسلوكية » « 1 » .
ونظرا لأهمية هذا المبدأ والسعي إلى ترجمته عمليّا ، فإن الإمام الصادق كان ينمي لدى تلاميذه الشعور بالمسؤولية تجاه سلوك الآخرين ، ومحاولة التغيير والإصلاح في المجتمع ، فهو يريد أن يرقّي الفرد من عضو عادي إلى فرد رسالي يتحمّل مهمّة توجيه الآخرين وتقويم انحرافاتهم .
وقد أوجب الإمام على الإنسان المؤمن الوقوف في وجه الانحراف والعصيان ، ومحاولة تغيير ما يجري حوله من خلاف ، فإن لم يستطع هذا الإنسان أن يقوم بأدنى تغيير أو تأثير ، فيرى الإمام في هذه الحال ضرورة الكفّ عن مجالستهم والتواصل معهم ، حتى لا يكون سببا في تشجيعهم على الاستمرار في ارتكاب المعاصي والمحرّمات ، فيقول : « لا ينبغي للمؤمن أن يجلس مجلسا يعصى اللّه فيه ولا يقدر على تغييره » « 2 » .
وعلى مستوى التخطيط للقيام بالتغيير ، يعتمد الإمام فكرة التدرج في العمل الاجتماعي والتغيير الإصلاحي فيه ، تبعا لقوة الإيمان عند الناس ، فيقول : « إن الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم يصعد منه مرقاة مرقاة ، فلا يقولنّ صاحب الاثنتين لصاحب الواحدة لست على شيء حتى ينتهي إلى العاشرة ، فلا تسقط من هو دونك ، فيسقطك من هو فوقك وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة ، فارفعه إليك برفق ، ولا تحملنّ عليه ما لا يطيق فتكسره ، فإن من كسر مؤمنا فعليه جبره » « 3 » .
يستفاد من هذا النص أنّ التدرّج أمر أساسي يدخل في صلب النظام التربوي للإمام ؛ لأنه لا يمكن لأي شخص تقبّل فكرة تغيير ما اعتاد عليه من تصرّفات وأعمال أو اعتقادات دفعة واحدة ، بل يتحقق ذلك تدريجيّا ، ومصحوبا بكثير من الرفق واللين في التعامل .
هامش
( 1 ) عبد الرحمن حبنكة الميداني ، الأخلاق الإسلامية وأسسها ، مرجع سابق ، ص 392 .
( 2 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 503 .
( 3 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب درجات الإيمان ، ح 2 .