لقد دعى نوح قومه تسعمائة وخمسين سنة فكانت النتيجة لهذه السنوات الطويلة من الدعوة والتبليغ إيمان عدد قليل من أفراد ذلك المجتمع الجاهل والطاغي فقط
وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
« 1 » إنّ ساعة البلاء « الطوفان » كانت قد اقتربت من ذلك المجتمع .
بدأ نوح عليه السّلام بصنع السفينة في اليابسة فكان ذلك سببا لسخريّة كلّ الذين كانوا يمرّون عليه ؛ لأنّ المفروض أن تصنع السفينة قريبا من ساحل البحر وليس في اليابسة التي كانت تفصلها مسافة بعيدة عن البحر . إذ كيف يعقل أن تصنع سفينة كبيرة يراد لها أن تحمل جماعة من الناس بعيدا عن ساحل البحر .
وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ
« 2 » ، ولكن المؤمنين بنوح عليه السّلام تحمّلوا كلّ هذا الاستهزاء والسخرية من غير أن يعرفوا الغاية التي من أجلها تصنع السفينة ، ولم يكن أحد يعرف ما سيحدث من طوفان وفوران الماء من الأرض والسماء .
فهؤلاء المؤمنون كان إيمانهم من القوة بحيث استطاعوا الصمود أمام كلّ ذلك الاستهزاء والسخرية وضغط الرأي العام الذي كان يوجّهه المتسلّطون في ذلك المجتمع ، وكان أولئك المؤمنون من الطبقة السفلى في المجتمع
هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ
هامش
-يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ * حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ * وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ * قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ .( 1 ) سورة نوح : 40 .
( 2 ) سورة نوح : 38 .