وحينما نقيس هذه القضية بمقياس الشعوب والأمم فالنتيجة مماثلة لذلك أيضا ، فعند ما تحصل أمّة على الثروة والرفاه وتكسب القوة والنصر وتحقّق التقدّم العلمي فهذا امتحان واختبار لتلك الأمّة . وإذا استطاعت الأمم صيانة نفسها من الانحراف وهي في قمّة اقتدارها فإنها ستخرج من الاختبار مرفوعة الرأس .
وأمّا إذا أصيبت الشعوب والمجتمعات بالغرور والابتعاد عن اللّه سبحانه نتيجة لحصولها على الراحة والرخاء فستخرج خاسرة من الامتحان الذي تتعرّض له ؛ لذلك فإنّ القرآن يخاطب النبي صلّى اللّه عليه وآله في سورة « النصر » القصيرة ، بسم اللّه الرحمن الرحيم
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً
« 1 » هذه هي قمّة اقتدار نبي من الأنبياء عندما ينزل اللّه عليه النصر والفتح ويدخل الناس أفواجا في دينه ، هنا يجب على الإنسان أن يراقب نفسه ؛ لذلك فإنّ القرآن يقول :
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
« 2 » ، يعني عليك أن تذكر اللّه في ساعة النصر وتحمده وتسبّحه لأنّ هذا النصر كان من اللّه وليس منك .
لا تنظر إلى نفسك بل أنظر إلى قدرة اللّه سبحانه ، فقائد إلهي وحكيم كالنبي الأكرم صلّى اللّه عليه وآله يسعى في مثل هذه الظروف أن لا تخرج الأمّة عن الطريق القويم ، وهنا يأتي دور التقوى التي تستطيع أن تنقذ الأمة من الضلال والانحراف .
وإذا كانت الأمّة تقيّة فإنّها ستواصل مسيرتها في طريق التقدّم والإيمان وطريق العبودية للّه سبحانه . ولكن إذا ابتعدت الشعوب عن طريق التقوى فإنّها ستبتلى بما ابتليت به الأمم السابقة عندما أصيبوا بالاستكبار والغرور والظلم والطغيان والانحراف ، فأضلّوا الناس وخرّبوا الدنيا وأفسدوها وأخيرا سقطوا هم أيضا ، كما نجد ذلك في أماكن عديدة من التاريخ ، وكنموذج لذلك ما حدث لبعض الأمبراطوريات العظيمة
هامش
( 1 ) سورة النصر : 1 - 2 .
( 2 ) سورة النصر : 3 .