الاجتماعية .
في مثل هذه الأجواء ، أعلن نبي الإسلام صلّى اللّه عليه وآله مفهوم التوحيد باعتباره عقيدة ملتزمة وتنظيما للحياة وأطروحة جديدة للمجتمع . وبهذا الشكل أعلن هويته باعتباره دعوة انقلابية لكل مخاطبيه ، المؤمنين منهم والكافرين ، فكل من سمع نداء الإسلام علم أنه نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي جديد لا يتلاءم إطلاقا مع الأوضاع التي كانت قائمة في العالم آنذاك ، بل إنه يستهدف إزالة الوضع القائم وإبداله بوضع آخر .
بسبب هذه الأطروحة ، اندفع المؤمنون صوب الدعوة باشتياق ولهفة وولع شديد وأسلموا لها ، ولهذا السبب أيضا هبّ المعارضون والكافرون ليقاوموا نداء التوحيد بوحشية وضراوة ، وليصعّدوا عداءهم يوما بعد يوم .
هذه الحقيقة التاريخية ، بمقدورها أن تكون معيارا لتقييم صحة أو عدم صحة ادّعاء التوحيد في كل زمان ومكان . من الصعب أن نصدّق وجود التوحيد في نفوس قوم يشبهون موحدي مكة قبل ظهور الإسلام .
التوحيد المهادن . . التوحيد المداهن مع كل الأنداد والآلهة المزيفة . . التوحيد الذي لا يعدو أن يكون فرضية ذهنية ، ليس إلّا نسخة ممسوخة لتوحيد الأنبياء . . ومن الطبيعي أن يخلو مثل هذا التوحيد من ديناميكية دعوة الأنبياء عليهم السّلام .
أثر انتشار الإسلام عند طرح التوحيد
من خلال هذه الرؤية نستطيع أن نفهم سبب انتشار نور الإسلام وتقدّمه في العصور المتقدمة ، وسبب تراجعه وتقهقره وضعفه في العصور المتأخرة .
إسلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يضع التوحيد أمام الناس باعتباره طريقا ومسلكا ، وإسلام العصور التالية طرح التوحيد باعتباره نظرية يدور حولها البحث والجدل في المجالس والمحافل .