تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس تربوية من السيرة النبوية — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
الاجتماعية . في مثل هذه الأجواء ، أعلن نبي الإسلام صلّى اللّه عليه وآله مفهوم التوحيد باعتباره عقيدة ملتزمة وتنظيما للحياة وأطروحة جديدة للمجتمع . وبهذا الشكل أعلن هويته باعتباره دعوة انقلابية لكل مخاطبيه ، المؤمنين منهم والكافرين ، فكل من سمع نداء الإسلام علم أنه نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي جديد لا يتلاءم إطلاقا مع الأوضاع التي كانت قائمة في العالم آنذاك ، بل إنه يستهدف إزالة الوضع القائم وإبداله بوضع آخر . بسبب هذه الأطروحة ، اندفع المؤمنون صوب الدعوة باشتياق ولهفة وولع شديد وأسلموا لها ، ولهذا السبب أيضا هبّ المعارضون والكافرون ليقاوموا نداء التوحيد بوحشية وضراوة ، وليصعّدوا عداءهم يوما بعد يوم . هذه الحقيقة التاريخية ، بمقدورها أن تكون معيارا لتقييم صحة أو عدم صحة ادّعاء التوحيد في كل زمان ومكان . من الصعب أن نصدّق وجود التوحيد في نفوس قوم يشبهون موحدي مكة قبل ظهور الإسلام . التوحيد المهادن . . التوحيد المداهن مع كل الأنداد والآلهة المزيفة . . التوحيد الذي لا يعدو أن يكون فرضية ذهنية ، ليس إلّا نسخة ممسوخة لتوحيد الأنبياء . . ومن الطبيعي أن يخلو مثل هذا التوحيد من ديناميكية دعوة الأنبياء عليهم السّلام .

أثر انتشار الإسلام عند طرح التوحيد

من خلال هذه الرؤية نستطيع أن نفهم سبب انتشار نور الإسلام وتقدّمه في العصور المتقدمة ، وسبب تراجعه وتقهقره وضعفه في العصور المتأخرة . إسلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يضع التوحيد أمام الناس باعتباره طريقا ومسلكا ، وإسلام العصور التالية طرح التوحيد باعتباره نظرية يدور حولها البحث والجدل في المجالس والمحافل .