لقد كان النبي صلّى اللّه عليه وآله يتعامل مع العدو المنظم الواثب لمهاجمة المسلمين كتعامله مع اليهود ولم يمهلهم أبدا ، لكنه كان يتحمل العدو غير المنظم ممن تلوث أفراده بالعناد والخبث والعداء والكفر ؛ فلقد كان عبد اللّه بن أبي من ألدّ أعداء النبي صلّى اللّه عليه وآله وقد عاصر الرسول صلّى اللّه عليه وآله حتى آخر سنة من عمره تقريبا ، ولم يسئ صلّى اللّه عليه وآله التعامل معه مع علم الجميع بنفاقه ، وكان صلّى اللّه عليه وآله يداريه ويعامله كباقي المسلمين من حيث عطاؤه من بيت المال وصيانة أمنه وحرمته ، كان ذلك منه صلّى اللّه عليه وآله بالرغم من خبث هذه الفئة وإساءتها ، وفي سورة البقرة مقطع يختص بهؤلاء المنافقين .
ولمّا اتخذ تجمع بعض المنافقين طابع التنظيم بادر إليهم النبي صلّى اللّه عليه وآله ، كما في قضية مسجد ضرار حيث اتخذوا منه مركزا وأقاموا اتصالات مع عناصر من خارج النظام الإسلامي من قبيل الراهب أبي عامر من بلاد الروم ، وأعدوا مقدمات تحشيد الجيوش لمحاربة النبي صلّى اللّه عليه وآله ، فبادر إليهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وهدم المسجد الذي بنوه وأحرقه ، معلنا أنه ليس بمسجد بل بؤرة للتآمر على المسجد وعلى اسم اللّه والمسلمين ! « 1 » .
أو تلك الحفنة من المنافقين الذين أعلنوا كفرهم وخرجوا من المدينة وحشدوا قواهم فقاتلهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وقال صلّى اللّه عليه وآله : لئن دنوا من المدينة لأخرجن لقتالهم ، وإن سالم صلّى اللّه عليه وآله المنافقين في داخل المدينة ولم يتعرض لهم أبدا .
وهكذا فقد واجه النبي صلّى اللّه عليه وآله الفئة الثالثة مواجهة منظمة صارمة ، لكنه سلك طريق المداراة مع الفئة الرابعة لافتقادهم التنظيم ، والخطر الصادر منهم يمثل خطرا فرديا ، كما أنه صلّى اللّه عليه وآله كان يؤنبهم بسلوكه العملي أيضا « 2 » .
هامش
( 1 ) قال تعالى :( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ .التوبة 107 - 108 .
( 2 ) من كلمة ألقاها في : 24 صفر 1422 ه - طهران .