كل وقت النبي هداية
لقد باشر النبي صلّى اللّه عليه وآله عمله بمجرد أن حلّ في المدينة ، ومن العجائب التي حفلت بها حياته صلّى اللّه عليه وآله أنه وطوال تلك السنوات العشر لم يهدر لحظة واحدة ، فلم ير النبي صلّى اللّه عليه وآله غافلا عن إنارة مشعل الهداية والمعنويات والتعليم والتربية ولو لحظة واحدة ؛ فلقد كانت يقظته ونومه ، مسجده وداره ، دخوله لساحة الحرب ، مسيره في الطرقات والأسواق ، معاشرته لأسرته ، وكل وجوده أينما حلّ ، درسا .
يا لها من بركة زخر بها هذا العمر ! فالشخص الذي شغل التاريخ برمته وترك بصماته عليه - ولقد قلت مرارا إن الكثير من المفاهيم التي اكتست وشاح القدسية على مدى القرون التالية من قبيل المساواة والأخوة والعدالة وحاكمية الأمة ، إنما هي متأثرة بتعاليمه صلّى اللّه عليه وآله ولم يكن لها أثر في تعاليم سائر الأديان أو لم يقدر لها البروز على أقل تقدير - كان نشاطه الحكومي والسياسي والاجتماعي قد دام عشرا من السنين لا غير ! فيا لها من حياة ميمونة !
ثم إنه صلّى اللّه عليه وآله وضع الأطر الإدارية والسياسية لذلك النظام ، ولو أن المرء ألقى نظرة على التطور الذي خطاه بذكاء وفطنة لأدرك أي عقل وفكر ودقة وحنكة تقف وراء تلك العزيمة والإرادة القاطعة الصلبة التي لا يمكن تحققها ظاهرا إلّا برفد من الوحي الإلهي ، وحتى يومنا هذا فإن الذين يحاولون تتبع وقائع تلك السنوات العشر خطوة فخطوة فإنهم يعجزون عن استيعاب أي شيء ، وإذا ما حاول المرء دراسة كل واقعة على حدة فإنه لا يدرك منها شيئا ، بل عليه أن يدقق النظر ويلحظ تسلسل الأعمال وكيفية انجاز كل تلك المهام بتدبير ووعي وحسابات دقيقة « 1 » .
هامش
( 1 ) من كلمة ألقاها في : 24 صفر 1422 ه - طهران .