النهوض والمواجهة
وعلى هذا فالخطوة الأولى من بعد البعثة هي النهوض والمواجهة والتحرك . فلم يستطع أي نبي طي هذا الطريق وإيصال الحمل إلى غايته ، وإبلاغ الرسالة للناس من دون مواجهة ، فالناس الذين تنبثق البعثة من بينهم وفي أوساطهم وبين ظهرانيهم لا يقبلون - بسهولة - بالوضع الجديد الذي توجده البعثة . ومن هنا تبدأ محاربة الأنبياء .
والأنبياء بما يحملونه من ثقل الأمانة وبما ينطوون عليه من الحق ، هم أكثر الناس أعداء .
وقد شهدت البعثة هذه الخصومات منذ يومها الأول ، وبدأ النبي جهاده منذ اليوم الأول أيضا ، واستمر حتى لحظة وفاته ولمدّة ثلاث وعشرين سنة . انظروا كم كانت تلك السنوات - الثلاثة والعشرون - حافلة بالبركة .
ثلاث وعشرون سنة ليس عمرا طويلا ولا زمنا مديدا . فأنتم تلاحظون أنّ الكثير من الأشخاص لا يفلحون طوال 20 أو 23 أو 25 سنة في إنجاز عمل يستحق الذكر ، والحياة تنقضي عادة بالانهماك في الشؤون الشخصية . وإذا نظرتم إلى العظماء ، سواء العلماء أو الفلاسفة أو الساسة ، ولاحظتم مدى عملهم طوال فترة كهذه - أي ثلاث وعشرين سنة ، مع الأخذ بنظر الاعتبار ما بينهم من تفاوت في القدرة والاستيعاب - لا يبدو من المؤكد أنهم قادرون خلالها على إنجاز أعمال كبرى .
ولكن انظروا إلى بركات وعطاء هذه السنوات القلائل ، وهي السنوات المباركة الثلاثة والعشرون التي قضاها النبي الأكرم في عهد بعثته ، كم كانت هذه البركات كثيرة ! إذ استطاع أن يشيد خلالها وفي قلب الجاهلية وذروة عصور الجهل في العالم - لا في منطقة فحسب ، بل في قرون من جاهلية البشرية ، وتراكم ظلمات الجهل - استطاع أن يشيد صرحا شامخا ، ويبرق جذوره نور ، أضاء له التاريخ سواء السبيل .