آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً
« 1 » ، وهذا الخطاب موجه لي ولكم أيضا ، فالزيغ من قبلهم عبارة عن الاستسلام للأهواء والشهوات والنزوع نحو المادية والثروة والنزوات الجنسية وسائر الأمور التي هي مصدر ويلاتنا ، ويقابله من اللّه تعالى سلب رحمته وتسديداته التي كان يغدق بها علينا .
إن أي تحرك خاطئ يصدر منّا وأية خطوة بعيدة عن الصواب والعدالة نقدم عليها وأي فعل نمارسه ناجما عن النوازع والأهواء النفسية إنما يسير بنا خطوة نحو لهوات الفساد والابتعاد عن اللّه سبحانه
أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ،
وهذا الإنزلاق إنما يأتي على دفعات ، وهنا تكمن خطورته ؛ فعاقبة الانزلاق تضاؤل عمل الإنسان بادئ الأمر ثم تأخذ أخلاقه وسجاياه بالاهتزاز والتأثير ويتحول من كان صادقا وفيّا ذا شعور بالمسؤولية إلى إنسان متذبذب عديم الوفاء وغير مسؤول تدريجيا ، ويطال التبدل أخلاقه أيضا .
وفي المرحلة اللاحقة يبدأ التبدّل في عقائد الإنسان ، وهذا الفساد الذي كنا ننظر إليه يوما بعين الاحتقار يأخذ بتغيير هويتنا وتدمير أخلاقنا شيئا فشيئا . يقول تعالى في إحدى آيات القرآن الكريم :
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ
« 2 » ، وهذه هي المعادلة التي يعتمدها الباري تعالى في تعامله مع الإنسان ، أي أنها - في واقع الأمر - منوطة بأعمالنا ، فنحن خلال أعمالنا نحول دون أن تشملنا الرحمة الإلهية ، ولئن حرمنا الرحمة الإلهية فإننا ندنو أكثر فأكثر نحو الفساد والضلال .
إننا نقرأ في الدعاء " اللهم إني أسألك موجبات رحمتك " ، « 3 » فالإنسان يسأل اللّه موجبات رحمته ، ومن الطبيعي أن لا تنزل علينا الرحمة الإلهية إن فقدت هذه
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب : 69 .
( 2 ) سورة التوبة : 77 .
( 3 ) بحار الأنوار : 83 / 63 .