الصبر عند أمير المؤمنين عليه السّلام وأثره
غالبا ما تحمل الشخصيات التاريخية العظمى بعض الخصائص منذ شبابها ، بل منذ صباها أو أنها تخلق تلك الخصائص في ذاتها . إنّ بروز الناس الكبار والمرموقين تقوم عادة على جهود طويلة المدى ، وهذا ما نراه في حياة أمير المؤمنين عليه السّلام . فأنا ألاحظ من خلال استشراف المسار العام لحياته المليئة بالمنعطفات أنه كان يتحلى منذ مطلع شبابه وحتى شهادته بصفتين هما البصيرة والصبر ، فهو لم يقع ولا حتى لحظة واحدة فريسة للغفلة وسوء الفهم والانحراف الفكري أو الخطأ في فهم الحقائق . فمنذ أن خفقت راية الإسلام بيد الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله انطلاقا من غار حراء في جبل النور وجرت على لسانه كلمة « لا إله إلّا اللّه » ، وصدح مبشرا بالنبوّة والرسالة ، استطاع علي بن أبي طالب عليه السّلام تشخيص هذه الحقيقة الوضّاءة وثبت على موقفه ذاك وألف كل ما نجم عن ذلك الموقف من مشاكل وصعوبات . فإن تطلّب جهدا ، بذل له جهده ، وأن تطلّب حربا حارب من أجله ، وإن استلزم تضحية ، وضع روحه على طبق الإخلاص ونزل إلى الميدان ، وإذا استدعى عملا سياسيا ونشاطا إداريا وحكوميا ، أدّاه خير أداء . ولم يكن في معزل عن الوحي والبصيرة حتى لحظة واحدة .
لقد تمسك وثبت على هذا الصراط المستقيم . ولا شك في أن الصبر والثبات والجهد الذي لا يعرف الكلل وعدم مطاوعة الأهواء النفسية التي تميل بالمرء إلى التكاسل وترك العمل ، تعد صفات بالغة الأهمية .