غيرك ما فعلته ، ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته ، لا لأنّك أهون الناظرين إليّ ، وأخفّ المطّلعين عليّ ، بل لأنّك يا ربّ خير الساترين ، وأحكم الحاكمين ، وأكرم الأكرمين . . . » « 1 » . نعم ، يتقدّر النهي عن الفحشاء والمنكر بقدر ما يكون للإنسان من حضور القلب ، فمن يضعف ويقلّ حضوره يقلّ نهي الصلاة إيّاه عن الفسوق ، ولكن لو كان يترك الصلاة لكان يتوغل في هاوية الفسوق أكثر ، ومن يتمّ حضوره في الصلاة أمام الربّ بتمام ما للكلمة من معنى يكون ذلك في نهيه إيّاه من الفحشاء والمنكر بمرتبة ما يوازي العصمة أو يقاربها .
وقد روي عن ابن عباس : أنّه أهدي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ناقتان عظيمتان ، فجعل إحديهما لمن يصلّي ركعتين لا يهمّ فيهما بشيء من أمر الدنيا . ولم يجبه أحد سوى عليّ عليه السّلام ، فأعطاه كلتيهما « 2 » .
وقد ورد - أيضا - أنّ عليّا عليه السّلام كان في صلاته يستغرق في اللّه إلى حدّ استخرج السهم من رجله في حال الصلاة فلم يلتفت « 3 » . وقد روى الفيض الكاشاني رحمه اللّه في المحجّة : أنّ مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام وقع في رجله نصل ، فلم يمكّن من إخراجه ، فقالت فاطمة عليها السّلام : أخرجوه في حال صلاته ، فإنه لا يحسّ بما يجري عليه ، فأخرج وهو عليه السّلام في صلاته « 4 » .
ومن هنا قيل : إنّه اعترض على بعض الخطباء - وقيل : إنّه ابن الجوزي - بأنّ عليّا عليه السّلام مع استغراقه الكامل في ذات اللّه لدى الصلاة كيف التفت إلى السائل وأعطاه خاتمه ؟ !
هامش
( 1 ) دعاء أبي حمزة الثمالي .
( 2 ) البحار 41 / 18 .
( 3 ) تفسير « نمونه » 4 / 428 ، وأنوار المواهب : 160 .
( 4 ) المحجة البيضاء 1 / 397 - 398 .