الخسران معاتبة ومعاقبة « 1 » .
ونحن لا نقبل من هذا الكلام فرضيّة الترتّب بين المعاقبة والمعاتبة وكون الثانية متأخرة من الأولى بدرجتين ، بل هما في عرض واحد . وبعد هذا الاستثناء نتكلّم بشكل مختصر عن هذه المراتب بالشكل الذي نراه صحيحا ، وليس يطابق بالضرورة تطابقا كاملا لما قاله الغزالي في شرح ذلك . فنقول :
أوّلا - المشارطة :
فعمر الإنسان رأس ماله الحقيقي يضعه الإنسان أمانة بيد نفسه ، ونفسه أمارة بالسوء ، ولو غفل الإنسان عنها لفرّطت النفس بهذا المال ، فعليه أن يشارط نفسه كلّ يوم مرّة في الأقلّ أو كلّ يوم وليلة مرّتين : بأن يأخذ على نفسه في أوّل النهار وفي أوّل الليل أن لا يتصرّف في رأس المال هذا إلّا في كذا وكذا من الأمور ، فإنّ ساعات عمره خزائن من الأموال والمجوهرات مودعة لديه من قبل اللّه تعالى ، وخسرانها يوجب الحسرات الشديدة .
وقد ورد في الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « أنّه يفتح للعبد يوم القيامة على كلّ يوم من أيّام عمره أربعة وعشرون خزانة عدد ساعات الليل والنهار ، فخزانة يجدها مملوءة نورا وسرورا ، فيناله عند مشاهدتها من الفرح والسرور ما لو وزّع على أهل النار لأدهشهم عن الإحساس بألم النار ، وهي : الساعة التي أطاع فيها ربّه ، ثمّ يفتح له خزانة أخرى فيراها مظلمة منتنة مفزعة ، فيناله عند مشاهدتها من الفزع والجزع ما لو قسّم على أهل الجنّة لنغّص عليهم نعيمها ، وهي : الساعة التي عصى فيها ربّه ، ثمّ يفتح له خزانة أخرى فيراها فارغة ليس فيها ما يسرّه ولا ما يسوؤه ، وهي : الساعة التي نام فيها أو اشتغل فيها بشيء من مباحات الدنيا ، فيناله من الغبن والأسف على فواتها حيث كان متمكنا من أن يملأها حسنات ما
هامش
( 1 ) راجع المحجة 8 / 150 ، والإحياء 4 / 362 .