فإنّك في خلواتك قد تتعاطى أعمالا ، ويدخل عليك ملك من الملوك أو كبير من الأكابر فيستغرقك التعظيم حتّى تترك كلّ ما أنت فيه شغلا به لاحياء منه ، وربّما لا يدخل عليك كبير من هذا النمط ، بل يحضرك صبيّ أو إنسان عاديّ ، فتعلم أنّه مطّلع عليك ، فتستحي منه ، فتحسن جلوسك وتراعي أحوالك لا عن إجلال وتعظيم بل عن حياء ، فإنّ مشاهدته وإن كانت لا تدهشك ولا تستغرقك ، ولكنّها تهيّج الحياء منك .
فعلينا أن نراقب اللّه سبحانه وتعالى - في الأقلّ - بقدر مراقبتنا للصغير أو للإنسان الاعتيادي ، ونستحي منه - في الأقلّ - بقدر حيائنا من الصغير أو الإنسان الاعتيادي : « فلو اطّلع اليوم على ذنبي غيرك ما فعلته ، ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته ، لا لأنّك أهون الناظرين إليّ وأخفّ المطّلعين عليّ ، بل لأنّك يا ربّ خير الساترين ، وأحكم الحاكمين ، وأكرم الأكرمين ، ستّار العيوب ، غفّار الذنوب ، علّام الغيوب ، تستر الذنب بكرمك ، وتؤخّر العقوبة بحلمك . . . » « 1 » .
وقد ورد في الحديث عن مولانا زين العابدين عليه السّلام : أنّه حينما اختلت امرأة العزيز بيوسف « قامت امرأة العزيز إلى الصنم ، فألقت عليه ثوبا ، فقال لها يوسف : ما هذا ؟ فقالت : أستحي من الصنم أن يرانا ، فقال لها يوسف : أتستحيين من لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه ولا يأكل ولا يشرب ، ولا أستحي أنا ممّن خلق الإنسان وعلّمه » ؟ ! « 2 » .
« وحكي عن بعض الأحداث أنّه راود جارية عن نفسها ليلا ، فقالت : ألا تستحي ؟ ! فقال : ممّن أستحي وما يرانا إلّا الكواكب ، فقالت : وأين مكوكبها ؟ ! » « 3 » .
هامش
( 1 ) مفاتيح الجنان ، دعاء أبي حمزة الثمالي .
( 2 ) البحار 12 / 266 .
( 3 ) المحجة 8 / 156 .