والذي تقشعرّ له الجلود التعبير الوارد في ذيل الآية - وهو قوله :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ . . .
فهذا يعني : أنّ ترك المحاسبة يكون من شأن أولئك الذين نسوا اللّه ، وأنّ جزاء نسيان اللّه هو أن يبتليه اللّه بنسيان نفسه ، والذي هو أعظم نسيان حتّى عند من لا يهتمّ إلّا بمصالح نفسه . والتعبير بنسيانه لنفسه يتمّ باعتبارين :
أحدهما : أنّ الذي نسي اللّه لا يذكر مصالح نفسه الأخرويّة ، والتي هي المصالح الباقية والهامّة ، ومن ترك مصالح نفسه فكأنّه ناس لنفسه ، وإلّا فكيف لا يهتمّ بمصالح نفسه .
وثانيهما : أنّ الطاقة الخيّرة الهامّة المودعة بلطف اللّه في النفس قد أهملها ونسيها ، ونسيانها نسيان للنفس .
ويشبه التعبير بنسيان النفس التعبير المؤثّر الآخر الوارد في القرآن الكريم ، وهو التعبير بخسران النفس ، فقد تكرّر في القرآن عدّة مرّات عنوان :
. . . الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ . . . *
« 1 » فالذين ختمت عاقبتهم بالشرّ ، ولم يكن لهم في الآخرة من خلاق قد خسروا أنفسهم ، إمّا بلحاظ خسارة مصالحهم في الآخرة إلى أبد الآبدين ، أو بلحاظ خسارة قوى الخير التي أودعها اللّه في أنفسهم فخسروها .
وهناك مرتبة نازلة من خسران النفس أو نسيان النفس وردت في الروايات بشأن من يرتكب بعض الذنوب وذلك من قبيل التعبير بحرمان صلاة الليل ، كما ورد عن الصادق عليه السّلام : « أنّ الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل . . . » « 2 » . وسند
هامش
( 1 ) راجع السورة 6 ، الأنعام ، الآيتين : 12 و 20 ، والسورة 7 ، الأعراف ، الآيتين 9 و 53 ، والسورة 11 ، هود ، الآية : 21 ، والسورة 23 ، المؤمنون ، الآية : 103 ، والسورة 39 ، الزمر ، الآية : 15 .
( 2 ) الوسائل 15 / 302 ، الباب 40 من جهاد النفس ، الحديث 14 .