ولهذا ينبغي استبعاد المحاكاة من الأخلاق ، وإذا كان للنماذج والأمثلة بعض الفائدة أحيانا ، فما تقوم هذه الفائدة إلّا في شيء واحد هو بيان إمكان تحقيق القانون الأخلاقي . فهذه الأمثلة هي مجرد شواهد على إمكان التحقيق ، مما ييسّر للمرء اعتقاد أو الأمل في إمكان تحقيق ما يدعو اليه القانون الأخلاقي إنها مجرد بواعث على التشجيع .
التصورات الأخلاقية لا تستمدّ إذن من التجربة ، وإلا لتشوهت خصائصها الأصيلة الجوهرية ؛ ولا تتوقف في أصولها ، ولا في معناها ، على الظروف الزمانية والمكانية . ولهذا فإن ميتافيزيقا الأخلاق تضع قوانين الكائنات العاقلة بعامة ، لا قوانين الطبيعة الإنسانية « 1 » .
ب ) مبادئ الأخلاق قبلية كلية
وما دام الأمر كذلك ، فعلينا أن نتساءل عما إذا لم يكن في وسع العقل أن يضع قوانين للأخلاق غير مستمدة من التجربة أو من الأمثلة والنماذج الماضية ، بل تستمد من العقل نفسه وفقا لمنهج تحليلي يتصاعد شيئا فشيئا حتى المبادئ الأولى للسلوك وحتى فكرة الواجب بعامة ، حتى لو لم تقدم لنا التجربة في الماضي والحاضر أمثلة للالتزام بالواجب بما هو واجب ، وبالجملة الوصول إلى المبادئ الأولية القبلية التي تحدّد الإرادة .
وينبغي أن يكون القانون الأخلاقي صادقا ليس فقط بالنسبة إلى الناس ، بل وأيضا بالنسبة إلى الكائنات العاقلة بعامة ، وليس فقط بحسب شروط عرضية ومع استثناءات ، بل وفقا لضرورة مطلقة .
« ومثل هذه الميتافيزيقا الأخلاقية ، المعزولة تماما ، غير الممزوجة بعلم الانسان ، ولا باللاهوت ، ولا بالفزياء ، ولا بما فوق الفزياء « 2 » ، ولا
هامش
( 1 ) الكتاب نفسه ج 4 ص 254 - 257 ، 279 .
( 2 )Hyperphysikأي معرفة الأشياء التي تتجاوز نطاق التجربة .