تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق عند كنت — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
لكن ما هو الواجب ؟ وكيف نتعرّفه في الأفعال ؟ وأي الأفعال خليق بأن ينعت بهذا الوصف ؟ إن ثم شكوكا كثيرة وغموضا حول هذه الأسئلة . وعلينا أن نبددها قبل الشروع في التحديد الايجابي لمعنى الواجب : 1 - فيلاحظ أولا أن ثمّ أفعالا يبدو أنها تتفق مع الواجبات ، ولكنها لم تؤدّ عن واجب ، إنما أداها مؤديها عن مصلحة أو منفعة . فالتاجر الذي يعامل كل زبائنه بأمانة ليس بالضرورة فاعلا لذلك عن واجب ، بل ربما كان ذلك لأنه وجد مصلحته في ذلك ، لأن تجارته تروج أكثر إذا عامل الزبائن كلهم بأمانة ، مما يولّد فيهم الثقة فيه وبالتالي يدعو إلى الإقبال على الشراء منه . فلم يكن الدافع إلى الأمانة إذن هو الفضيلة والواجب الأخلاقي ، بل المنفعة المادية التجارية . وإنما يكون سلوكه هذا جديرا بنعت الأخلاق والفضيلة والسلوك عن واجب ، إذا كان الدافع إليه هو هذه الأمور أعني الواجب والفضيلة ، بغض النظر عما ينجم عن ذلك من رواج لتجارته أو عدم رواج . ولكن تمييز كلا النوعين سهل . 2 - لكنه يكون أصعب حينما تكون الأفعال قابلة لأن تؤدى عن واجب وعن ميل مباشر . فمن واجبي مثلا المحافظة على حياتي وتحقيق سعادتي . ولكني بطبعي أتعلق بالحياة ، وبطبعي أسعى أن أكون سعيدا . فكيف نحدد طابع الواجب في مثل هذا ؟ لا بد أن نفترض أحوالا يعتور فيها حب الحياة والرغبة في السعادة ظروف معاكسة تجعلهما ينقلبان إلى عكسيهما . فالانسان الذي تنتابه أقسى الآلام إلى درجة أنه يطلب الموت ومع ذلك يحافظ على الحياة - هذا الانسان يمكن أن يعد سلوكه هذا سلوكا أخلاقيا ؛ ومثل هذا يقال عن الانسان الذي تضعضعت صحته بحيث لم يعد له أمل في السعادة ، ومع ذلك يضحي بالمتع الحاضرة في سبيل صحّة مشكوك في صلاحها . ومن واجب الانسان أن يكون محسنا ، ومن النفوس من تود أن تشيع السرور حولها دون أن