الانسانية ، أو بالظروف التي يعيش فيها الانسان هي أنها لا تملك أن تقدم غير قواعد متفاوتة العموم ، ذاتية ، بدلا من أن تقدم قوانين كلية موضوعية للإرادة « 1 » .
وقد دفع كنت إلى اتخاذ هذا الموقف أمران : الأول نظري وهو أن حقيقة الأخلاق ، شأنها شأن حقيقة العلم ، لا يمكن أن تستخلص إلّا من الشكل المحض للعقل ، لا من المضمون المادي للتجربة . والثاني عملي وهو إنه إذا استندت الأخلاق إلى اعتبارات تجريبية ، فإنها ستقدم إلى الإرادة بواعث حسّية من شأنها أن تفسدها وذلك إما بصرفها عن الواجب ، أو بدعوتها إياها إلى البحث في الواجب عن شيء آخر غير الواجب نفسه . أما إذا حرصت الأخلاق على عدم اصدار قوانين للإرادة غير تلك المنبثقة عن العقل المحض ، فإن في وسعها حينئذ أن تؤثر في النفوس « 2 » . وكلما توثقت العلاقة بين القاعدة وبين الأحوال الجزئية ، كانت القاعدة أبعد عن الموضوعية والدقة والصرامة .
وليس معنى هذا أن كنت لم يحسب حساب التجربة والواقع ، بل بالعكس تماما : إنه لما شاهد حال الواقع والتجربة ، انتهى إلى أن من المستحيل تأسيس الأخلاق على الواقع : إذا الواقع مشتت والأخلاق تريد قوانين ومبادئ موحّدة ؛ والواقع متغير ، والأخلاق تريغ إلى ثابت ؛ والواقع نسبي ، والأخلاق تهدف إلى ما هو مطلق . لقد ثبت له أنه لا توجد قوانين ثابتة للسلوك الانساني ، كما توجد قوانين لسير الطبيعة ، ولهذا علينا ، إذا أردنا وضع قوانين ما يجب أن يكون ، أن نصرف النظر عن الواقع . ولو وجدت قوانين نفسية ، فإنه لا توجد قوانين أخلاقية . وعلم النفس ليس هو فلسفة في الأخلاق ، بل يندرج
هامش
( 1 ) « مؤلفات كنت » ج 4 ص 258 ، 273 ، 290 ، نشرة هارتنشتين ، ليبتسك 1867 - 1868 .
( 2 ) المرجع السابق ج 4 ص 238 ، 258 - 260 . وقارن « نقد العقل العملي » . في مجموع مؤلفاته ج 5 ص 157 وما يليها .