كلما بدا شقاء الغير أفدح . لكن السرور بما يصيب الناس والخير في العالم من دمار ، وتمني ذلك ، هذه كراهية مستترة للإنسان ، وضد لحب الغير الذي هو واجب علينا . والخيلاء التي يوحي بها الرخاء المتواصل ، والزهو الذي يولده حسن سير الأمور كلاهما ينتج ذلك السرور الخبيث المضاد مباشرة للواجب الناشئ عن مبدأ التعاطف الذي عبر عنه تيرانس
Terence
المؤلف المسرحي اللاتيني : « أنا إنسان ، وكل ما يصيب الانسان يصيبني أيضا » .
ومن نوع هذا السرور بمصائب الغير : الرغبة في الانتقام التي تريغ إلى شقاء الغير . صحيح أن كل فعل يعتدي على حق الانسان يستحق العقاب . لكن توقيع العقاب ليس من اختصاص المعتدى عليه ، بل من اختصاص محكمة متميزة منه ، تطبّق أحكام القوانين التي وضعتها سلطة هي أعلى من كل الذين يخضعون لها . ولو نظرنا إلى الناس في حالة قانونية تتحدد فقط بقوانين العقل ( لا بالقوانين المدنية ) - وهو أمر ضروري في الأخلاق - فليس لأحد الحق في توقيع العقاب والانتصاف من الجاني اللهم إلّا المشرّع الأخلاقي الأعلى ، أي اللّه ، وهو وحده الذي يملك أن يقول : « الانتقام موكول إليّ ، وسأنتقم » .
وإذن فمن الواجب ليس فقط عدم الرد ، بواسطة الانتقام ، على عدوان الآخرين ، بل وأيضا ألا نطلب من حاكم العالم ( اللّه ) أن ينتقم لنا - والسبب في ذلك أن الانسان فيه من الذنوب ما يجعله هو نفسه في حاجة إلى المغفرة ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى وبخاصة لأنه لا ينبغي لأيّ ألم ، مهما يكن موضوعه ، أن تمليه الكراهية .
ولهذا فإن العفو ( المغفرة )
Placabilitas
واجب على الانسان ؛ لكن ينبغي ألا يخلط بينه وبين احتمال الإهانات ،
ignava iniuriarum patientia
لأن ذلك سيكون بمثابة ترك حقوقه يدوس عليها الآخرون ، وفي هذا انتهاك لواجب الانسان نحو ذاته .