العلاقة بين ملكة المعرفة في الانسان وبين مصيره العملي
لو كانت الطبيعة الانسانية قيّض لها أن نسعى نحو الخير الأسمى ، لكان علينا أن نقرّ بوجود تناسب بين ملكة المعرفة النظرية والعقل العملي بمقتضياته .
لكن الواقع بخلاف ذلك ، كما دلنا عليه نقد العقل النظري بما بيّنه من حدود ينبغي ألا يتعداها العقل النظري في المعرفة . فهل عاملتنا الطبيعة معاملة زوجة الأب لأولاد من ضرّتها - على حد تعبير كنت ؟
هنا يجيب كنت إجابة غريبة ، لكنها مستمدة من تصوره للغائية في العالم ، ومن تصوّره لصرامة الواجب والأخلاق . فيقول إن الطبيعة لو أنها صنعتنا على خير ما نهوى فزودتنا بعقل قادر على معرفة كل شيء ، فإن عقلنا لن يشتغل بعد ذلك إلّا في حساب أضمن الوسائل لاشباع ميولنا وشهواتنا ، والقانون الأخلاقي - لو كان له أن ينعت بعد بهذا النعت - لن يكون غير تعبير عن منفعتنا المرتبطة إما بتدبير طبيعتنا الحسّية ، أو بالتأمل الوجداني للأمور فوق الحسية . وعقلنا ، بدلا من أن يؤثر فينا بنفسه ويدفعنا إلى الكفاح والسعي ، سيدعنا ألعوبة في أيدي الدوافع الخارجية للخوف والرجاء ، وبهذا تضيع القيمة الأخلاقية للأفعال ، تلك القيمة التي هي وحدها ميزة الشخصية .
يقول كنت : « إن سلوك الناس ، طالما بقيت طبيعتهم كما هي الآن ، سيتحول هنالك إلى مجرد آلية ، فيها كما في لعبة العرائس
Marionnettes
كل شيء يبدي عن حركاته بصورة جيدة ، لكن لا أثر هناك لأية حياة في الأشكال . لكن لما كان الأمر عندنا بخلاف ذلك تماما ، وكنا بكل مجهودات عقلنا لا نطّلع من المستقبل إلّا على بصيص غامض غير يقيني ، وكان حاكم العالم
Weltregierer
يسمح لنا فقط بالحزر لا بالادراك الواضح أو البرهان الساطع على وجوده وجلاله ، وكان القانون الأخلاقي فينا - دون أن يعدنا أن يجعلنا نخشى من شيء عن يقين - يطالبنا باحترام نزيه ، في الوقت