أن نقدر السلوك المقبل لهذا الإنسان تقديرا يقينيّا قبل تقديرنا لخسوف القمر أو كسوف الشمس ، ونقول مع ذلك بأن هذا الإنسان حرّ . ولو كنا أيضا قادرين على نظرة أخرى ( وهو أمر غير ميسور لنا أبدا ، لكن لدينا بدلا منه التصور العقلي ) أعني على عيان عقلي لنفس الشخص ، فإننا كنا سندرك مع ذلك أن كل سلسلة الظواهر هذه ، فيما يتعلق بكل ما لا يتناول دائما القانون الأخلاقي ، تتوقف على تلقائية الشخص بوصفه شيئا في ذاته ، وهي تلقائية لا يمكن تفسير تعيّنها إلا على نحو فزيائي . وبدلا من هذا العيان ، فإن القانون الأخلاقي يؤكد لنا هذا التمييز لعلاقة أفعالنا ، بوصفنا ظواهر ، بالكائن الحسّي لذاتنا والعلاقة التي بها هذا الكائن الحسّي هو نفسه راجع إلى الأساس المعقول القائم فينا » « 1 » .
ويسوق على هذا مثلا بمن يكشف عن شرارة في الطبع منذ الصغر ويزداد شرارة كلما تقدمت به السنّ ، حتى ليعدّ شريرا منذ ميلاده ، ومع ذلك فإنه يقرّ بما نوجّهه إليه من لوم على ما يرتكب من أفعال خسيسة ، كما لو كان مسؤولا عنها مثل سائر الناس . وما كان لهذا أن يحدث لولا أننا نعد كل ما يصدر عن الانسان راجعا إلى عليّة حرّة تعبّر عن نفسها منذ الصغر في ظواهر أو أفعال .
« وإذا سلّم أيضا بأن الذات المعقولة ، بالنسبة إلى فعل معيّن ، يمكن أيضا أن تكون حرّة ، وإن كانت بوصفها تنتسب إلى العالم المحسوس فإنها خاضعة لشروط آلية بالنسبة إلى هذا الفعل نفسه ، فيجب - كما يبدو - أن نسلّم أيضا ، طالما كنا نسلّم بأن اللّه ، وهو العلة الأولى الكلية ، هذا أيضا سبب وجود الجوهر ( وهي قضية لا يمكن إنكارها دون إنكار تصور اللّه بوصفه موجود الموجودات ، ومعه الصفة التي ننسبها إليه وهو أنه يكفي كلّ
هامش
( 1 ) « نقد العقل العملي » ط 1 سنة 1787 ص 176 - 178 - ص 104 - 106 من الترجمة الفرنسية .