التجربة والتحقيق والاستنباط والاستنتاج والمعرفة . اما الايمان فهو نوع من الشعور بالارتباط بموجود أسمى وتكريم هذا الموجود وتقديسه . ومن الممكن ان يتعرض متعلق العلم لبغض الانسان وكراهيته ، إلّا انّ متعلق الايمان يحظى دائما بحبه ووده . فمتى ما كان هناك ايمان ، كان هناك خضوع وخشوع وتكريم وتقديس أيضا . فالايمان باللّه - على سبيل المثال - نوع من الشعور بالحاجة الذاتية والارتباط بالخالق الغني ، اي الشعور بالحاجة المطلقة إلى الغني المطلق ، وهو في الحقيقة شعور بالصغر أمام عظمة ورحمة وقوة لا نهاية لها .
فالقرآن الكريم عبّر عن الايمان بأنه استجابة لنداء الفطرة وتجديد لميثاق يوم « ألست » :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها . . .
« 1 » .
وقال تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا . . .
« 2 » .
ثم تابع اللّه تلك الآية بقوله :
. . . أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
« 3 » .
فالايمان اذن تأكيد لميثاق الفطرة وتجديد له . ويحتمل ان يكون ميثاق « ألست » تعبيرا عنه . اما العلم فهو نوع من الارتباط الذهني والفكري بين العالم والمعلوم .
الايمان بايجاز نوع من الشعور المقرون بالتقديس والتكريم والخضوع إزاء موجود أسمى وأفضل ، في حين لا يقتضي العلم مثل هذا الشعور ، لأنه واسطة لتلقي واكتشاف المجهولات ، حتى وان لم يكن لديها مطلوبية ومحبوبية لدى العالم . فالعلم لا يرافق الايمان دائما ، وهذا ما أشارت اليه الآية الكريمة :
هامش
( 1 ) الروم / 30 .
( 2 ) الأعراف / 172 .
( 3 ) الأعراف / 172 .