تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية في الأخلاق العملية — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
خلال هذا التوضيح انّ الزهد يقوم على أساس التحرر من الالتصاقات المادية لا فقدانها . ومن هنا لو نجح المرء في تحرير نفسه من التعلق بالدنيا والانشداد إليها ، كان زاهدا وان حظي ببعض الامكانات المادية إلى حد ما . اذن لو كان ترك الدنيا والاشاحة عنها بسبب العجز أو بدافع التظاهر والرياء ، لما كان ذلك من الزهد ، بل إن الشرع المقدس ذمّ مثل هذا الفقر والفقدان وعدّه موجبا للكفر والالحاد ، واعتبر مظاهر الرياء من مصاديق الشرك وفاقدة لأية قيمة أخلاقية . وصفوة القول هي انّ الزاهد الحقيقي هو ذلك الذي طلّق الدنيا قلبيا ، لا ذلك الذي ترك الدنيا عن اضطرار أو ترك الدنيا للدنيا . ومن المناسب أن ننعم النظر في كلمات الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في وصف الزاهدين أدناه : « يا أسامة ترك القوم الحلال من الطّعام والشّراب طلبا للفضل والآخرة ، ولم يتكالبوا على الدنيا كتكالب الكلاب على الجيف ، أكلوا العلق ولبسوا الخلق ، شعثا غبرا إذا نظر الناس إليهم ظنّوا أنّ بهم داء وما بهم من داء ، وظنّوا أنّهم خولطوا وما خولطوا ولكن خالط القوم حزن عظيم تخيّل الناس أنّه ذهب عقولهم وما ذهب عقولهم ولكن نظروا بقلوبهم إلى أمر ذهبت بعقولهم عن الدنيا فهم في الدنيا عند أهلها يمشون بلا عقول . يا اسامة عقلوا حين ذهبت عقول الناس ، لهم الشّرف الاعلى والمحلّ الأسنى والأسمى » « 1 » . ولعلي عليه السّلام كلام كثير بهذا الشأن ورد بعضه في نهج البلاغة . ولو أردنا تناول كلماته واستعراض هذا الموضوع من جميع ابعاده انطلاقا من وجهة نظر الامام ، كان علينا كتابة رسالة مستقلة في ذلك . وليس أمامنا هنا سوى نقل فقرات من كلامه ، ونرجع من يتوق التفصيل إلى كتابات أساتذة الفن سيما كتاب « سير في نهج البلاغة » للمرحوم الأستاذ الشهيد المطهري قدس سره « 2 » .
هامش
( 1 ) بحر المعارف ، ملا عبد الصمد الهمداني ، نقلا عن كتاب التحصين ، ص 35 . ( 2 ) في كتاب الشهيد المطهري هذا فصل رائع وواف حول الزهد الاسلامي والرهبانية المسيحية وأوجه