تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البداية في الأخلاق العملية — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
كل منها إلى بعد من أبعاده . ونظرا لدلالة مفردة الزهد على مفهوم عرفاني وديني دقيق ، فمن الأولى ان نستعين في تعريفها بكلام الوحي وأئمة الدين والعرفان ، ونوضح حدوده ومعالمه . قدّم القرآن الكريم تعريفا جامعا وشاملا للزهد في جملتين موجزتين تحملان عالما من الحكمة :
. . . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ . . .
« 1 » . أي انّ الزهد هو أن يتساوى لديكم إقبال الدنيا وإدبارها بحيث لا تأسفون على ما يفوتكم منها ولا تفرحون بما تحصلون عليه منها . ونفهم من هذه الآية أنّ الزهد أمر قلبي يمكن تشخيصه من خلال علامتين : عدم التأسف على ما فات ، وعدم الفرح على ما أتى . ومن هنا فالزاهد الحقيقي هو الشخص الذي لا تخدعه مظاهر الدنيا وبهارجها الخادعة ، وانصراف اهتمامه عن الدنيا ومادياتها كهدف مطلوب واتجاهه نحو أهداف أسمى . ويمكن على هذا الضوء التكهن بأنّ هناك ثلاثة شروط لتحقق الزهد الحقيقي : - الشرط الأول ، أن تكون لدى المرء غريزة الميل والرغبة بشكل طبيعي . فالمريض الذي لا يشعر بالرغبة نحو الطعام والفاكهة والمشروبات السائغة بفعل المرض ، لا تعد عدم رغبته هذه زهدا . - الشرط الثاني ، توافر امكانية حصول المرء على الوسائل المادية . فإذا كان تركه للدنيا واعراضه عنها منبعثا عن العجز ، فلا يعدّ هذا الترك من مصاديق الزهد . - الشرط الثالث ، إعراض المرء عن الدنيا وعزوفه عن بهارجها الخادعة ، رغم وجود جميع الجاذبيات والامكانات المادية والشهوانية ، تطلعا إلى الأهداف الأسمى . في ظل هذه الشروط ، يصدق الزهد ، ويكتسب معناه الحقيقي . ويتضح من
هامش
( 1 ) الحديد / 23 .