وما يقولون من أنّ الخوف من الغرائز الذاتية وهو مفيد لاستمرار الحياة إنّما هو فيما إذا لم يخرج عن حدّ الاعتدال ، أمّا إذا أفرط فيه فهو مضرّ قطعا ؛ فإنّ الخوف الخيالي الذي هو نوع من الوسوسة وتوهّم التعاسة والشقاء والألم قبل وقوعه ، فهو نوع مرض من نفسي مؤلم ومعذّب ، يوهن الذهن ويضعف الفكر ، وقد دلّت دراسات الأخصّائيين على أنّ كثيرا من الناس يفتقدون سلامة أنفسهم بأثر من هذا العامل ، ليس هذا فقط بل قد يضرّهم أكثر من ذلك إن كان هناك شيء أكثر قيمة من صحة الإنسان وسلامته .
فكثيرا ما رأينا أنّ أزمات الخوف الشديد أصبحت سببا لموت الفجأة ، فمن الممكن لخوف فجائي أن يزلزل ميكانيزم الحياة في الإنسان فيوقّف حياته .
وقد تكون حالة الخوف والوسوسة مقدمة لمرض نفسي شديد ، ومسبّبا عن تحوّل شديد في نفس الإنسان ، وإلّا فإنّ الإنسان الطبيعي لا يصاب بهذه الحالات بهذه السرعة ، بل يتعادل في نفسه في كمال الوعي واليقظة .
وقد يصاب بعض الناس بوحشة مبهمة مجهولة المنشأ والمصدر ومن دون أن يقدروا على أن يبيّنوا ممّ يخافون ، ومن دون أن يطلع أقرب الناس إليهم على الألم الخفيّ الذي يعانونه ، طبعا هذا الخوف من مميّزات دور الطفولة ، وكل من خلّف دور الطفولة فقد قضاه بقليل أو كثير من حالة الشك والخوف في نفسه حتى بلغ دور التمييز والتشخيص ، ذلك سواء شاء أو أبى .
وبالتالي فإنّ هذا العيب الكبير يعدم عناصر الموفقية والرقيّ والتقدم في الإنسان ، ويقلل من نشاط الفكر والبدن وفعّاليتهما ، وله آثار في جميع الأعمال التي تتحقق على يد الإنسان .
عدا عن أنّ هذا الخوف لا ينفع شيئا ، وسواء تحققت تلك المخاطر أم لا ، فإنّ هذا الخوف لا يعود منه على الإنسان سوى إتلاف الوقت وتقليل القوى البدنية والمعنوية ، ولا يبقي فيه لحين مقابلة الشدائد والمشقّات أيّة قدرة أو جرأة على المقاومة .
رسالة الأخلاق — صفحة 358
مساهمون: السيد مجتبى الموسوي اللاري
ص٣٥٨