والمحاولات ، فمنها ما يمنح الإنسان رؤية وبصيرة ، وتتوسع به آفاق الأفكار والرؤى ، وتبلغ بالإنسان إلى الحق والحقيقة ، وتبدّل الإنسان إلى مدرك بل وأصل إلى واقع الحقائق في الحياة ، وبالتالي تصل به إلى أسمى الأجر والثواب في عالم الآخرة . . ومن المساعي ما يكون سببا للانحراف والضلال وتفصل بين الإنسان وحقائق الواقع . وإنّ المساعي والمحاولات التي توسّع في فردية الإنسان إلى ما لا حدّ له ولا نهاية معقولة ، تؤدّي بالإنسان إلى اضمحلال القوى الباطنية في الإنسان التي تحكم على سلوكه وأخلاقه .
وكثير أولئك الذين يرون أنفسهم ذوي عواطف وأحاسيس ، وهم بالفعل يتأّلمون من مشاهدة شقاء الآخرين وتعاستهم ومصائبهم ، ولكنّهم لا يهمّون بتحمّل مسؤولية أو وظيفة في ذلك ؛ فإن تعرّضوا لقبول عمل يستلزم صرف مال منهم لإغاثة المحرومين ، أو كان يستوجب منهم قليلا من التعب والعناء ، أو أن يغضوا الطرف عن بعض لذّاتهم ، تخلّوا عن تكاليفهم .
وإنّما تنشأ هذه الحالة من عدم استعدادهم لتحمل التكاليف والوظائف ، بل لم يريدوا أن يعوّدوا أنفسهم على تحمل أقل التكاليف وأبسطها ممّا يؤهّلهم لتحمّل أعمال أكبر وأثقل وأهمّ .
إنّ حمل آلام الآخرين حالة حسنة جديرة بالتقدير ، ولكنها إن لم تؤد إلى عمل قيّم ولم يحمل بها ثقل عن كاهل المعذّبين فما فائدتها ؟ وما ذا تعالج العواطف الجافّة ؟
إنّ الأحاسيس المضمرة في باطن الضمير لا أثر لها في واقع الحياة ، فما الذي تستفيده الإنسانية من هكذا أحاسيس ؟ إنّ حسن النيّة لا يكفي للحياة العملية الواقعية للإنسان في هذا الكون ، بل إنّ حسن النيّة يستلزم الإقدام والعمل .
رسالة الأخلاق — صفحة 170
مساهمون: السيد مجتبى الموسوي اللاري
ص١٧٠