إنّ على من يحبّ الحياة في الدرجة الأولى أن يخدم هذه الحياة ، وأن يتعهد بالإسهام في إيجاد مجتمع سالم وقويّ ، وكلّما كانت النظرة الاجتماعية ونموّ العواطف فيهم أكثر ، كانت عنايتهم بمصالح الآخرين أكثر . إنّ الفكرة الإيجابية والمواساة مع الآخرين ، مع كونها من كمال الإنسان نفسه ، تساعد في إيجاد بيئة سليمة لحياة أفضل لنفس الإنسان أيضا ؛ فإنّ العلوم الاجتماعية تؤكّد على أنّ عناية الإنسان بنفسه بصورة واقعية تستلزم رعاية حال الآخرين والإحساس بالتعاون والمواساة معهم . وقديما قالوا : « إنّك ستأخذ باليد التي تعطي بها » .
ومن لم يبذر في الحياة الخير كيف يأمل أن يحصد فيها الخير ؟ بل إنّ الفضائل الإنسانية والشخصية الاجتماعية تدور دائر مدار أسلوب تفكيرهم وروحياتهم الاجتماعية ، وإنّ انعدام هذه الروحية في الأفراد أو الجماعات يدلّ على وجود خلل وتأخير فيهم عن حدّ الرشد الاجتماعي ، وإنّ حالة اللّامبالاة وعدم الإحساس بالمسؤوليات الأخلاقية تحكي عن اختلال ومرض روحي وجمود في النموّ الاجتماعي ، فإنّ هؤلاء لا يتمكنون من أن يدركوا ارتباط حياتهم بسلامة الآخرين ، وإنّ هكذا مجتمع يشبه سفينة غارقة يحاول كل واحد من ركّابها أن ينقذ نفسه من الغرق فقط . ولا ريب أنّ الاعتياد بالفداء والتضحية في سبيل خير الآخرين لا يحصل بسهولة ؛ يقول أحد العلماء :
« إنّ في المراحل الأولى لأعمال الخير مشاق وتكاليف ولكن كلّما تقدمنا أكثر في هذا الطريق ازدادت طاقاتنا ، وكأنّما أعمال الخير كأمّهات يتولّد منها نسل خير كثير » .
وهذه حقيقة ، فإن إسداء الخدمة للناس والتضحية في سبيلهم يشكل بكثير على هذا الإنسان الطالب للراحة والمحبّ لنفسه ، هذا الإنسان الطامع الذي يريد كل شيء لنفسه والمستعد للفداء في سبيل آماله وأمانيه وأهدافه ، ولكن أفهل هناك شيء في حياة الإنسان غير مشكل ؟ بل في كل حركة وكل شيء محاولات ومتاعب ، وحتى في الفهم والإدراك ولكن تختلف المساعي
رسالة الأخلاق — صفحة 169
مساهمون: السيد مجتبى الموسوي اللاري
ص١٦٩