كان أقوى وأثبت اقتصاديا ، كذلك من كانت ثروته الباطنية كافية غير محتاج دائما إلى الاستيراد والاستمداد من خارج وجوده ، كان قادرا على أن ينقذ نفسه من النشاطات الضارة والأعمال الهدّامة ، وعلى تعديل خصائصه الأخلاقية ، بل كان قادرا على تغيير أثر العوامل الخارجية على نفسه .
يقول ( جان جاك روسو ) :
« إنّ أشقى البشر من كان يفكر أنّه يفتقد كل شيء ، فإنّ الشقاء ليس أن يحسّ الإنسان بحاجة إلى شيء ، بل الشقاء في أنّ يحسّ أنّه يحتاج إلى شيء يفتقده . إنّ للعالم الواقعيّ حدودا ، ولا حدّ لعالم الخيال ، ونحن إذ لا نتمكن من أن نوسّع العالم الأول - الواقعي - فعلينا أن نقوم بتحديد الثاني ، فإنّ كل ما يسبّب في تعاستنا وشقائنا من الآلام إنّما هو الذي ينشأ من الخلاف بين هذين الأمرين : الواقع والخيال .
إن في هذه الرؤية المستقبلية التي تجعلنا دائما نفكر في المستقبل يكمن مصدر كل شقائنا وتعاستنا ، ولا سيما بالنسبة إلى موجود كالإنسان ينقضي عمره بسرعة لماذا يكون قلقا لمستقبله ؛ بحيث يكون كل فكره وذكره حول المستقبل البعيد الذي قد لا يبلغه أبدا ، وهو بذلك يغفل عن حالته الحاضرة . إن هذا الوسواس بالنسبة للمستقبل يشتد بعلوّ عمر الإنسان حتى يصل إلى مرحلة يرجّح فيها الشيوخ - وهم أكثر وسواسا على المستقبل وأحرص - أن يغضّوا النظر عمّا يلزمهم لمعيشتهم الحاضرة في سبيل تأمين مستقبلهم لمئة سنة مقبلة حتى بالنسبة إلى كماليات الحياة فضلا عن ضروراتها .
وهكذا يربط الإنسان بينه وبين جميع حاجات الحياة ، بل يقول بأهميتها حتى على نفسه ، وحتى لا يبقى له شيء من شخصيته الفردية . وبعبارة أخرى يوسّع كل فرد منّا وجوده على سطح الكرة الأرضية جميعا ، ويتحسّس بالنسبة إلى كلّ شيء . وعندئذ فهل من الغريب أن تزيد آلامنا ؟ كثير أولئك التجار الذين إذا سمعوا بأحدهم أنّه ذهب إلى الهند صرخوا ألما وهم في پاريس ! ! نحن لا
رسالة الأخلاق — صفحة 160
مساهمون: السيد مجتبى الموسوي اللاري
ص١٦٠