إنّ نشاط الضمير إنّما هو في الدعوة إلى أمور قد أقرّ بحسنها من قبل ذلك العرف والعادة والسنن الاجتماعية ، وإن كان ذلك الأمر قبيحا في الحقيقة ، أو كان مذموما مدحورا لدى أمّة أخرى على أساس سننها وقواعدها وأعرافها . وقد زيّن الشيطان للإنسان في بعض أدوار الحياة البشرية أعمالا هي من أقبح ما يكون في الحقيقة والواقع ، ولكن تحت ستار الأعمال الصالحة ، وتلقّاها الناس حينئذ بصفتها أعمالا مقبولة لديهم .
ويذكر القرآن الكريم هذه الحقيقة الواقعة فيقول : (
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ؟ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
) « 1 » .
وقال سبحانه : (
وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
) « 2 » .
أضف إلى ذلك أنّ الوجدان والضمير من دون أن يستند إلى مستند خاص سوف لا يقدر على المقاومة في مواجهة كثير من أهواء النفس وطغيان الشهوات وحب الجاه والمال ، وهو في ساحة كفاحه مع الغرائز يفتقد شيئا من قوة مقاومته ، وربّما أنجرّ إلى أن يركع لأول مجاهدة لميول النفس الأمّارة ، فإنّ النفس الخدّاعة بإمكانها أن تقلب الحقائق وتخدع الضمير وتخمد هذا المصباح المنير الذي يضيء باطن الإنسان .
نعم ، هذا هو « الإيمان » الذي يهدي الضمير ويرشد الوجدان ويكون مستندا صحيحا له وحاكما على العادات والتقاليد القومية ، ولا يتكلّف بتنفيذ أوامر العرف والسنن الاجتماعية . إنّ الذين تيقّظت في ذواتهم فطرة التوحيد وآمنوا باللّه إيمانا حقيقيّا ، قد استجابوا لنداء ضمائرهم استجابة تامّة ، ويرون إتّباعها إطاعة للهداية التكوينية الإلهية ، فلا يثقل على كواهلهم حمل التكاليف
هامش
( 1 ) سورة الكهف : الآيتان 102 ، 1013 .
( 2 ) سورة الأنعام : الآية 43 .