على الكذب لما آلت الخلافة إلى عثمان بن عفّان عميد الأسرة الأمويّة ، فقد الحّ عليه عبد الرحمن بن عوف العضو البارز في الشورى العمريّة أن يبايعه بشرط أن يسير بسيرة الشيخين ، فرفض ذلك رفضا باتّا ؛ لأنّها لا تتّفق مع الكتاب والسنّة ، وصارحه الإمام أن يسوس الامّة على ضوء كتاب اللّه وسنّة نبيّه ، وليس غيرهما من رصيد يستند إليه في عالم السياسة الإسلاميّة ، لقد أبى ضميره أن يخادع أو يماكر في سبيل الوصول إلى السلطة التي تهالك على الظفر بها عيون الامّة ، وقدّموا أنهارا من الدماء في سبيل الوصول إليها لينعموا في خيرات البلاد .
لقد زهد الإمام في جميع مغريات الحكم والسلطان ، وكان كثيرا ما يتنفّس الصعداء من الآلام التي صبّها القرشيّون عليه ، وقد سمعه النّاس يقول :
« واويلاه ، يمكرون بي ، ويعلمون أنّي بمكرهم عالم ، وأعرف منهم بوجوه المكر ، ولكنّي أعلم أنّ المكر والخديعة في النّار ، فأصبر على مكرهم ، ولا أرتكب مثل ما ارتكبوا » « 1 » .
إنّ الذي منعه أن يسير على وفق السياسة الماكرة أنّها في النّار ، وقد ردّ سلام اللّه عليه على من قال فيه أنّه لا دراية له في الشؤون السياسيّة ، وأنّ معاوية خبير بها ، قال عليه السّلام :
« واللّه ! ما معاوية بأدهى منّي ، ولكنّه يغدر ويفجر . ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى النّاس » « 2 » .
وقد أنكر على بعض الساسة الذين يستخدمون جميع الوسائل للوصول إلى الحكم ، وبرّروا ذلك بأنّها حيلة منهم ، قال :
« وما يغدر من علم كيف المرجع . ولقد أصبحنا في زمان قد اتّخذ أكثر أهله الغدر
هامش
( 1 ) جامع السعادات : 1 / 202 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد : 20 / 206 .