« خذ هذه الورقة ، فإذا وصلت إلى سرّ من رأى ، وحضر عندي جماعة فطالبني بالدّين الّذي في الورقة ، وأغلظ عليّ في ترك إيفائك ، ولا تخالفني فيما أقول » ، فأخذ الأعرابي الورقة ، ولمّا قفل الإمام راجعا إلى سرّ من رأى قصدته جماعة من عيون السلطة للسلام عليه ، فجاء الأعرابي فأبرز الورقة ، وطالب الإمام بتسديد ما فيها ، فجعل الإمام يعتذر له ، والأعرابي يغلظ له في القول ، وبادر بعض أعوان السلطة إلى المتوكّل فأخبره بالأمر ، فأمر بحمل ثلاثين ألف درهم للإمام ، ولمّا وصلت له قال الإمام للأعرابي :
« خذ هذا المال فأوف به دينك ، وأنفق الباقي على عيالك » .
وأكبر الأعرابي ذلك ، وقال للإمام يبلغ ثلث هذا المبلغ ، ولكنّ اللّه أعلم حيث يجعل رسالته فيمن يشاء ، وأخذ الأعرابي المال وهو فرح مسرور يدعو للإمام الذي أنقذه من البؤس والحرمان « 1 » .
هذه أمثلة من كرم الإمام وجوده التي أفاضها على الفقراء لا يبغي بذلك إلّا وجه اللّه تعالى ، وحسبه أنّه من أسرة كانوا يطعمون الطعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا ، وأنّ جدّه الإمام الصادق عليه السّلام كان يطعم النّاس ويكسوهم حتّى لا يبقى عند عياله أي شيء من الطعام « 2 » .
6 - الزهد
وعرف الإمام الهادي عليه السّلام بالزهد والتجرّد عن مباهج الحياة الدنيا ، فعاش عيشة الفقراء ، وقد كان منزله في المدينة وسامراء خاليا من كلّ أثاث ، وقد داهمت
هامش
( 1 ) الاتحاف بحبّ الأشراف : 67 - 68 . شرح شافية أبي فراس : مخطوط ، الورقة 167 من الجزء الثاني . جوهرة الكلام : 151 .
( 2 ) صفة الصفوة : 2 / 98 .