وقد وضع الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله أصول هذا التسامح وقواعده فقال صلّى اللّه عليه وآله :
« من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة » ، وأمر صلّى اللّه عليه وآله أن لا يجبر أحد من النصارى واليهود على ترك دينه ، وقد كتب إلى عامله على اليمن بذلك . . . وقد اعترف كبار علماء النصارى بهذه الروح الأصيلة والخلق العظيم الذي قابلهم به الإسلام ، يقول البطريرك ( عسو يمشو مياية ) - : « إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا بعدالة كما تعرفون ، إنهم ليسوا أعداء للنصرانية ، بل يمتدحون ملتنا ويوقرون قدسيتنا ، ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وأديارنا . . . » « 1 » .
ويقول السير توماس آرنولد : « لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة ، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة ، ونستطيع بحق أن نحكم أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما اعتنقته عن اختيار وإرادة حرة ، وأن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح . . . » « 2 » .
إنه ليس شيء أبعد عن منطق الإسلام وهديه من التعصب والتنافر بين أهل الأديان يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام قائد الإسلام ورائد نهضته في عهده لمالك الأشتر : « الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو شبيه لك في الخلق » ، ومن قال بأن الإسلام يدعو إلى الكراهية والبغض لأهل الأديان فقد ظلم الإسلام وجافى الواقع ، وابتعد عن القصد ، يقول المصلح الكبير الإمام المغفور له الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء :
يقولون إن الدين فرّق بيننا * فيا لك من حيف ويا لك من ظلم
إليكم بني الأديان دعوة مخلص * دعوتكم فيها إلى الشرف الجم
هامش
( 1 ) أهل الذمة في الإسلام .
( 2 ) الدعوة إلى الإسلام .