تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النظام التربوى في الإسلام — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١

التدبر في أحوال الأمم

ومما يدعو إلى إيقاظ العقل ، وتنمية إدراكاته التدبر في أحوال الأمم والشعوب ، والنظر في تأريخهم وشؤونهم ، فهناك طائفة من الأمم سلكت الطريق النير ، وابتعدت عن جميع ألوان الشذوذ والانحراف ، وقد ظفرت بالحياة الكريمة التي تسودها الدعة والأمن والاستقرار . وهناك طائفة من الأمم انحرفت عن الطريق القويم ، وشذت عن طريق الحق والعدل ، فتدمرت ، وهلكت وخبا ذكرها ، وأفل نجمها ، ومن الطبيعي أن في ذلك درسا وعظة وعبرة لكل إنسان يملك وعيه واختياره فيجتنب عوامل التدمير والسقوط ويسير في حياته بسيرة تتسم بالتوازن ، وعدم الانحراف ، يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام : « واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات ، بسوء الأفعال ، وذميم الأعمال فتذكروا في الخير والشر أحوالهم ، واحذروا أن تكونوا أمثالهم ، فإذا تفكرتم في تفاوت حاليهم - أي من السعادة والشقاء - فالزموا كل امر لزمت العزة به شأنهم ، وزاحت الأعداء له عنهم ، ومدت العافية فيه عليهم ، وانقادت النعمة له معهم ، ووصلت الكرامة عليه حبلهم ، من الاجتناب للفرقة ، واللزوم للألفة ، والتحاض عليها ، والتواصي بها ، واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم ، وأوهن منتهم ، من تضاغن القلوب ، وتشاحن الصدور وتدابر النفوس ، وتخاذل الأيدي . وتدبروا أحوال الماضين من المؤمنين قبلكم ، كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء ألم يكونوا أثقل الخلائق أعداء ، وأجهد العباد بلاء ، وأضيق أهل الدنيا حالا ؟ اتخذتهم الفراعنة عبيدا فساموهم سوء العذاب ، وجرعوهم المرار فلم تبرح الحالة بهم في ذل الهلكة ، وقهر الغلبة ، لا يجدون حيلة في امتناع ولا سبيلا إلى دفاع حتى إذا رأى اللّه جد الصبر منهم على الأذى في محبته ، والاحتمال للمكروه من خوفه جعل لهم من مضايق البلاء فرجا ، فأبدلهم العز مكان الذل ، والأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكا حكاما ، وأئمة أعلاما ، وقد بلغت الكرامة من
النظام التربوى في الإسلام — صفحة 211 | الشيخ باقر شريف القرشي