وغير الوجود هو العدم والماهيّة ، والعدم ليس منشأ للأثر بالبديهة ، والماهيّة اعتباريّة لا أصالة لها ، وليست شاغلة للخارج ، فثبت : أنّ الوجود لا يفتقر إلى غير الوجود .
فالوجود منه واجب الوجود ، وهو الذي يفتقر الوجودات الممكنة إليه .
قال في الأسفار : هذا البرهان أسدّ البراهين وأشرفها ، وهو الّذي لا يكون الوسط في البرهان غيره بالحقيقة ، فيكون الطريق إلى المقصود هو عين المقصود ، وهو سبيل الصدّيقين .
أقول : قوله : « لا يكون الوسط في البرهان غيره » أي : غير واجب الوجود من الموجودات الممكنة الّتي كان التطرّق إلى إثبات واجب الوجود بواسطتها برهانا إنيّا ، أي : استكشاف وجود العلّة بواسطة وجود المعلول .
والمراد من كون الطريق إلى المقصود هو عين المقصود : أنّ هذا البرهان يتحقّق من ضمّ بعض الإدراكات الفطريّة البديهيّة للإنسان بعضها ببعض ، فيحصل العلم بوجود الواجب جلّت عظمته من غير وساطة العلم بوجود غيره .
البرهان الثاني لمعرفة اللّه برهان الإمكان والوجوب
وتقريره : أنّه لا شكّ في أنّ هنا موجودا بالضرورة ، فإن كان الوجود واجبا لذاته فهو المطلوب ، وإن كان ممكنا افتقر إلى موجد يوجده بالضرورة ، فإن كان الموجد واجبا لذاته فالمطلوب ، وإن كان ممكنا افتقر إلى موجد آخر ، فإن كان الأوّل دار ، وهو باطل بالضرورة ، وإن كان ممكنا آخر تسلسل ، وهو باطل أيضا .
لأنّ تلك السلسلة الّتي جميع آحادها ممكن الوجود تكون ممكنة الوجود بالضرورة يمتنع وجودها لذاتها بلا موجد خارج منها .