ومقتضى كون معرفة اللّه فطرية عدم الحاجة في إثباته جلّت عظمته إلى إقامة البرهان عليه ، لكنّا نذكر هاهنا جملة من البراهين عليه :
البرهان الأوّل لمعرفة اللّه برهان الصدّيقين
قال في الأسفار : وهو سبيل الصدّيقين الّذين يستشهدون به تعالى عليه ، ثمّ يستشهدون به على صفاته ، وبصفاته على أفعاله . . . وقد أشير في الكتاب الإلهيّ إلى هذه الطريقة بقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .
فصّلت : 53 .
أقول : لهذا البرهان تقارير مختلفة ، نذكر منها تقريرين هما أقرب التقارير كلّها :
التقرير الأوّل :
كلّ إنسان يدرك بالضرورة موجودات في الخارج ، وبعبارة أخرى : يدرك وجود موجودات ، ومن المعلوم بالبداهة : أنّ فيها موجودا واجب الوجود ، وإلّا كان جميع الموجودات ممكن الوجود ومفتقرا في وجودها إلى علّة موجدة .
ومن المعلوم أيضا بالبداهة : امتناع كون جميع الموجودات ممكن الوجود ومفتقرا في وجوده إلى غيرها ، فإنّ غير جميع الموجودات هو المعدوم ، والمعدوم لا يكون علّة للموجود بالبداهة .
فيحكم بالضرورة بأنّ في الموجودات موجودا واجب الوجود .
وهذا التقرير لا يتوقّف على إثبات أيّ مسألة من المسائل الفلسفيّة ؛ من أصالة الوجود ، ووحدة الوجود ، وغيرهما .
التقرير الثاني :
إنّا ندرك الوجود في الخارج بالضرورة ، ومن البديهي أنّ الوجود ؛ إمّا واجب ، أو ممكن . فإن كان ممكنا يفتقر إلى غيره .