من صبب ؛ ذلك ما لم يطرأ عليه تشويه ، يلوي عنانها ويثنيها عن وجهتها الأولى إلى الكمال والخير والفضيلة .
وهذه الطوارىء المفسدة للفطرة ، قد تتكون من رواسب القرون الماضية ، أو من تقاليد البيئات الساقطة ، أو من كليهما معا . وهي شديدة الخطر فيما تجره على الفطرة البشرية من علل ، وجهاد المصلحين الحقيقي يقوم على كفاحها وكسر حدتها ، وإنقاذ الفطرة من غوائلها ، حتى تعود إلى صفائها الأصيل وتؤدي وظيفتها الحقة . وقد شرح الإسلام طريق ذلك .
فبعد أن تقرأ في كتاب اللّه الآية السابقة في أن الدين هو الفطرة ، تقرأ قوله تعالى :
. . . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ . وَاتَّقُوهُ ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ، وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ : مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
« 1 » .
الإيمان لا الإلحاد ، والتقوى لا الفجور ، ووحدة المتدينين على ربهم لا تفرقهم فيه : هذه النصائح هي باب العودة بالإنسان إلى فطرته المستقيمة . وقد كرر القرآن الكريم هذا المعنى في قوله :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
« 2 » .
ذلك التقويم الحسن ، هو معرفة الحق والاستمساك به ، والسير على مقتضاه ، هو الولوع بالفضل والنبل ، ورعايتهما في منطق المرء مع نفسه ومع الناس . وهو نشدان الكمال في نسقه العالي ، وتغليبه على كل شيء في الحياة .
بيد أن كثيرا من الناس ، تثقل بهم أهواؤهم دون هذا المستوى العالي ، فيخلدون إلى الأرض ، ثم تجمح بهم أهواؤهم المتعبة ، فينحدرون إلى مكان سحيق ، وذلك هو أسفل سافلين ، الذي يردهم اللّه إليه .
هذا الرد الإلهي ، خاضع لقوانين الهداية والإضلال ، وهي قوانين عادلة دقيقة ، ذكرها القرآن الكريم في قوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ . إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
« 3 » .
هامش
( 1 ) الروم : 31 ، 32 .
( 2 ) التين : 4 - 6 .
( 3 ) التوبة : 115 .