الإنسانية ) كانت موضوع عملها ومحور نشاطها ، فلم تكن تعاليمهم قشورا ملصقة فتسقط في مضطرب الحياة المتحركة ، ولا ألوانا مفتعلة تبهت على مرّ الأيام . . لا . . لقد خلطوا مبادئهم بطوايا النفس ، فأصبحت هذه المبادئ قوة تهيمن على وساوس الطبيعة البشرية ، وتتحكم في اتجاهاتها .
وربما تحدثت رسالات السماء عن المجتمع وأوضاعه ، والحكم وأنواعه ، وقدمت أدوية لما يعرو « 1 » هذه النواحي من علل .
ومع ذلك فالأديان لن تخرج عن طبيعتها في اعتبار النفس الصالحة هي البرنامج المفضّل لكل إصلاح ، والخلق القوي هو الضمان الخالد لكل حضارة .
وليس في هذا تهوين ولا غض من عمل الساعين لبناء المجتمع والدولة ؛ بل هو تنويه بقيمة الإصلاح النفسي في صيانة الحياة وإسعاد الأحياء .
فالنفس المختلة ، تثير الفوضى في أحكم النظم ، وتستطيع النفاذ منه إلى أغراضها الدنيئة ، والنفس الكريمة ترقع الفتوق في الأحوال المختلة ويشرق نبلها من داخلها ، فتحسن التصرف والمسير ، وسط الأنواء والأعاصير .
إن القاضي النزيه يكمل بعدله نقص القانون الذي يحكم به ، أما القاضي الجائر فهو يستطيع الميل بالنصوص المستقيمة . وكذلك نفس الإنسان حين تواجه ما في الدنيا من تيارات وأفكار ، ورغبات ومصالح .
ومن هنا كان الإصلاح النفسي الدعامة الأولى لتغليب الخير في هذه الحياة .
فإذا لم تصلح النفوس أظلمت الآفاق ، وسادت الفتن حاضر الناس ومستقبلهم ، ولذلك يقول اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ؛ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ ، وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
« 2 » . ويقول - معلّلا هلاك الأمم الفاسدة - :
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ
هامش
( 1 ) يعرو : يصيب .
( 2 ) الرعد : 11 .