فالنفس كلما ألفت موطنا لشهواتها أحبت الانتقال منه إلى موطن آخر .
وهي في رتعها الدائم لا تبالي بارتكاب الآثام واقتراف المظالم .
ومن ثمّ حذر القرآن من اتباع هذه الأهواء المحرمة :
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
« 1 » .
ويقول - عن مسالك الكافرين وضرورة معارضتها - :
. . . وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ . بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ
« 2 » .
ولا بد من التفريق بين أهواء النفس المحرمة ومطالبها المعقولة المقررة ، فإن كثيرا من المتدينين يخلط خلطا سيئا بين الأمرين .
وذلك أن الإنسان إذا كانت له مطالب من متاع الحياة وسعتها التي لا حرج فيها ، فأفهم خطأ أن هذه المطالب من الرذائل المحظورة فستكون النتيجة أن يقبل على هذه المطالب المحتومة بضمير من يستبيح الجرائم ، ويرضى بالتدلي إليها ، وضميره في الحقيقة ضحية خطأ شنيع .
ولكنه ما دام قد فهم أنه أصبح مسيئا ، وأن الرذيلة جزء من حياته ، فسينتقل منها إلى عمل منكرات أشد ، أي : منكرات حقيقية في هذه المرة !
وقد لاحظ القرآن الكريم هذه الناحية ، فنص في صراحة على إباحة الرغائب السليمة للنفس ، وترك لها فرصة التوسع الطيب ، وعدّ التدخل بالحظر والتحريم والتضييق على النفس - في هذه الدائرة الكريمة - قرينا لعمل السوء والفحشاء ! لأنه مدرجة إلى عمل السوء والفحشاء .
قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ، وَلا
هامش
( 1 ) ص : 26 .
( 2 ) المؤمنون : 71 .