أن يكون هو قد باشر فتح المدائن والأقاليم بجيوشه التي كان يصلي بها الأمم ، حربا تجعل الولدان شيبا . لكنا لا نعلم للإسلام مجمعا دينيا ولا رسلا وأحبارا وراء الجيوش ، ولا رهبنة بعد الفتح ، فلم يكره أحدا على الإسلام بالسيف ولا باللسان ، نعم قد اعتنق الإسلام قوم مشوا وراء منافعهم ، لكنهم قلة بجانب من أسلم عن اعتقاد صادق وميل صحيح ، وكان ذلك من أسهل الأمور ، لبساطة الدين ، وكفاية النطق بكلمة التوحيد ليصير قائلها من المسلمين ، ولقد زادت محاسنة المسلمين للمسيحيين في بلاد الأندلس ، حتى صاروا في حالة أهنأ من التي كانوا عليها ، أيام خضوعهم لحكم قدماء الجرمان .
ثم ينقل عن ( دوزي ) قوله :
لقد أبقى المسلمون سكان الأندلس على دينهم وشرعهم وقضائهم ، وقلدوهم بعض الوظائف ، حتى كان منهم موظفون في خدمة الخلفاء ، وكثير منهم تولى قيادة الجيوش ، وتولد عن هذه السياسة الرحيمة انحياز عقلاء الأمة الأندلسية إلى المسلمين ، وحصل بينهم زواج كثير ، وكم من أندلسي بقي على دينه ، ولكن أعجبته طلاوة التمدن العربي ، فتعلم اللغة وآدابها ، وصار القسس يلومونهم على ترك ألحان الكنيسة ، والتعلق بأشعار الظافرين .
وكانت حرية الأديان بالغة منتهاها ، لذلك لما اضطهدت أوروبا اليهود لجؤوا إلى خلفاء الأندلس في قرطبة ، لكن لما دخل الملك كارلوس سرقسطة ، أمر جنوده بهدم جميع معابد اليهود ومساجد المسلمين . ونحن نعلم أن المسيحيين أيام الحروب الصليبية ما دخلوا بلادا إلا أعملوا السيف في يهودها ومسلميها ، وذلك يؤيد أن اليهود إنما وجدوا مجيرا وملجأ في الإسلام ، فإن كانت لهم باقية حتى الآن فالفضل فيها راجع لمحاسنة المسلمين لا إلى ما بين الاثنين من الجامعة في الأصل والجنس واللغة والدين ، كما ادعى ( أفيديكور شايكين ) ، ( الإسلام الكونت هنري دي كاستري ) .
ويقرر في موضع آخر ، أن حكام المسلمين احترموا مدينة بنارس ، لأنها مقدسة عند الهنود البراهمة . ويرى أن اتهام الإسلام بأنه انتشر بالقوة خطأ ، والصواب أن يقال :
« إن مسالمة المسلمين ولين جانبهم ، كانا من أسباب سقوط المملكة العربية » ( المرجع السابق ) .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 452
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٤٥٢