تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
ومن المعارف الأصلية . نرى الإسلام يدعو الناس إلى دين الفطرة ، بدعوى أنه الحق الصريح الذي لا مرية فيه ، والآيات القرآنية الناطقة بذلك كثيرة مستغنية عن الإيراد ، وهذا أول التآلف والتآنس مع مختلف الأفهام ، فإن الأفهام على اختلافها وتعلقها بقيود الأخلاق والغرائز لا تختلف في أن ( الحق يجب اتباعه ) . ثم نراه يعذر من لم تقم عليه البينة ولم تتضح له المحجة وإن قرعت سمعه الحجة ، قال تعالى :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
« 1 » وقال تعالى :
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ( 98 ) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً
« 2 » . انظر إلى إطلاق الآية ومكان قوله :
لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ،
وهذا يعطي الحرية التامة لكل مفكر يرى نفسه صالحة للتفكر ، مستعدة للبحث والتنقيب أن يتفكر فيما يتعلق بمعارف الدين ويتعمق في تفهمها والنظر فيها . على أن الآيات القرآنية مشحونة بالحث والترغيب في التفكر والتعقل والتذكر . ومن المعلوم أن اختلاف العوامل الذهنية والخارجية مؤثرة في اختلاف الأفهام من حيث تصورها وتصديقها ونيلها وقضائها ، وهذا يؤدي إلى الاختلاف في الأصول التي بني على أساسها المجتمع الإسلامي كما تقدم . إلا أن الاختلاف بين إنسانين في الفهم على ما يقضي به فن معرفة النفس وفن الأخلاق وفن الاجتماع يرجع إلى أحد أمور : إما إلى اختلاف الأخلاق النفسانية والصفات الباطنية من الملكات الفاضلة والردية ، فإن لها تأثيرا وافرا في العلوم والمعارف الإنسانية من حيث الاستعدادت المختلفة التي تودعها في الذهن ، فما إدراك الإنسان للنصف وقضاؤه الذهني : كإدراك الشموس المتعسف ، ولا نيل المعتدل الوقور للمعارف ، كنيل العجول والمتعصب وصاحب الهوى والهمجي الذي يتبع كل ناعق ، والغوي الذي لا يدري أين يريد ولا أنى يراد به ؟ والتربية الدينية تكفي مؤونة هذا الاختلاف ، فإنها موضوعة على نحو يلائم الأصول الدينية من المعارف والعلوم ، وتستولد من الأخلاق ما يناسب تلك الأصول وهي مكارم الأخلاق ، قال تعالى :
كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ
( 30 ) « 3 » وقال تعالى :
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ
هامش
( 1 ) سورة الأنفال ، الآية 42 . ( 2 ) سورة النساء ، الآيتان 98 - 99 . ( 3 ) سورة الأحقاف ، الآية 30 .