تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
سلطانها إذا تشعبت دائرة الآحاد . جولة تعتبر المجتمع الإنساني وحدة موحدة لا تجزئة فيها . فيدعو الفكر المنير والقلب الصالح المستفيض إلى الإحسان والتعاون ، يدعوه لدفع الأذى والمكروه عن أخيه الإنسان ، والمسلم الصحيح من أمل الناس رفده وأمنوا بوادره ، وعمهم بخيره ونصرهم بنصره . هكذا يريد الإمام بقوله : « فعمهم جميعا بدعوتك ، وانصرهم جميعا بنصرتك ، وأنزلهم جميعا منك منازلهم ، كبيرهم بمنزلة الوالد ، وصغيرهم بمنزلة الولد ، وأوسطهم بمنزلة الأخ » . يريد أن تعتبر الكبير أبا لك فتحترمه وتكبره ، وتقدم المعروف والخير بين يديه ، وتعتبر الصغير ابنا لك فتعطف عليه وترأف به وترق له ، وتعتبر المتوسط أخا لك فتحبه وتميل إليه وتدفع ضره ، وتشاركه في خسارته ، وتكون له كما يكون لك ، وتحب له ما تحب لنفسك ، وتكره له ما تكره لها . هذه مبادئ الإخاء والتعاون وتبادل المعروف والتكافل ، وبها تتحقق وحدة الاجتماع التي هي مركز الوجود ونقطة السعادة المطلقة . مضافا إلى أنها المايز الأكبر بين الإنسان وبين سائر الكائنات الحية ؛ والغرض الأسمى من تكوينه وتنظيمه في دور أعرق في عالم التعقل والإحساس ، وأرقى في حلقات التطور وفلسفة النشء الطبيعي . لذلك رغبنا أن نشرح في هذا الفصل كليات ودساتير نظام الاجتماع وما له من التأثير في أبناء النوع ، وما استفدناه من تطور الحفلات الكبرى في عالم الطبيعة ، ومما يؤيدها العلم الصادق والرؤية المصيبة . فقد وقفنا لكشف سر الاجتماع البشري ، ومطابقته لفلسفة الدين الإسلامي - مباحثنا وفصول دروسنا عن تاريخ طبيعة الاجتماع وبنيان مدينة البشر ، وما تقتضيه موقعيته العظمى في سلسلة حلقات التكوين ، ومدار جريان الوجود الباهر والكون المنير . وبما أن تطور العقل البشري اقتضى تلفت الخاطر إلى كشف أسرار الطبيعة ، والجنوح إلى الحقائق الثابتة التي تقترن بشاهد الأخبار والتجربة العملية ، ولما كان الإسلام هو الدين المشفوع بالبرهان في كل التطورات الكونية ، إذ هو القانون العام الكافل لإدارة البشر في كل تقلباته ، والمؤيد له في صراط رقيه ونشأة تطوراته ، فقد