صرخة حق في وجه الشر .
دعوة وداعة ومحبة في ليل الحقد والضغينة .
نور وضاح في دياجير الظلمة .
في وسط إطلالة البشر على الدنيا بمتاعبها وآلامها ، عند الفجر ، فجر العالم الإنساني ، وقف مؤذن ينادي للقداسة ويدعو للتطهير ، ويبحث عن الحقيقة ويبحث عن الخلاص . فوجد الحقيقة وأدرك مشكلة الألم وعرف سر الحياة ، واندغم الخلق النبيل باللذة الدائمة .
فكانت نفس بلا ازدواجيات ، ومناقضات داخلية بلا عراك ، وخلاف بين الأهواء والغرائز ؛ بين الميول والعقل ، كان ذلك في هنيهة خلود بشري ، انبجس في نسيج الفناء والوهم .
ذلك هو الإمام زين العابدين عليه السّلام الذي يملأ القلب بتعاليمه وداعة ونعمة ، وينعم النفس محبة وطهرا ، ويشرق على الذات فيضا نبيلا في الروحية والتجاوز الخلقي أو التسامي .
هذه القمة أو الجنة الأرضية التي يصل إليها الممارس ، هي بالفعل حالة السمو والتسامي التي قال عنها إنها من العلوم اللدينة ، أو العلوم التي لا تشرح وتفسر ، وإنما تفهم وتحس بالذوق والحال ، وقديما قال أحد المتصوفة في وصف هذه الحالة :
من ذاق طعم شراب القوم يدريه * ومن دراه غدا بالروح يشريه
والحقيقة أن ما قاله هذا ما يزال صحيحا حتى اليوم .
فالإمام ( وعلى ذكره السّلام ) في طريقه مواجهة الحياة ، وطريقه في التعبد والوصول إلى المطلق والاتصال بالذات العليا ، نفهمها ونتذوقها أكثر من قدرتنا على تعليلها وتحليلها ، إذ إنها شيء يمس ذات الإنسان الداخلية ، بل ما هو أسمى وأكثر الأمور داخلية في الإنسان .