تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
صرخة حق في وجه الشر . دعوة وداعة ومحبة في ليل الحقد والضغينة . نور وضاح في دياجير الظلمة . في وسط إطلالة البشر على الدنيا بمتاعبها وآلامها ، عند الفجر ، فجر العالم الإنساني ، وقف مؤذن ينادي للقداسة ويدعو للتطهير ، ويبحث عن الحقيقة ويبحث عن الخلاص . فوجد الحقيقة وأدرك مشكلة الألم وعرف سر الحياة ، واندغم الخلق النبيل باللذة الدائمة . فكانت نفس بلا ازدواجيات ، ومناقضات داخلية بلا عراك ، وخلاف بين الأهواء والغرائز ؛ بين الميول والعقل ، كان ذلك في هنيهة خلود بشري ، انبجس في نسيج الفناء والوهم . ذلك هو الإمام زين العابدين عليه السّلام الذي يملأ القلب بتعاليمه وداعة ونعمة ، وينعم النفس محبة وطهرا ، ويشرق على الذات فيضا نبيلا في الروحية والتجاوز الخلقي أو التسامي . هذه القمة أو الجنة الأرضية التي يصل إليها الممارس ، هي بالفعل حالة السمو والتسامي التي قال عنها إنها من العلوم اللدينة ، أو العلوم التي لا تشرح وتفسر ، وإنما تفهم وتحس بالذوق والحال ، وقديما قال أحد المتصوفة في وصف هذه الحالة :
من ذاق طعم شراب القوم يدريه * ومن دراه غدا بالروح يشريه
والحقيقة أن ما قاله هذا ما يزال صحيحا حتى اليوم . فالإمام ( وعلى ذكره السّلام ) في طريقه مواجهة الحياة ، وطريقه في التعبد والوصول إلى المطلق والاتصال بالذات العليا ، نفهمها ونتذوقها أكثر من قدرتنا على تعليلها وتحليلها ، إذ إنها شيء يمس ذات الإنسان الداخلية ، بل ما هو أسمى وأكثر الأمور داخلية في الإنسان .