تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
في الآخرة من خلاق ، ولا في مرضاة اللّه من نصيب ؛ فكان لنا مؤلفات في الأخلاق : كالإحياء ، وجامع السعادات ، ومن حذا حذوهما ، كتب تعلم الناس كيف يموتون ، لا كيف يعيشون ، وجديرة بأن ينظر فيها من بلغ الستين لا أن تكون هدى للشباب الحائر ، ومشجعا للنشء الخائف ، ولا موجها للرجل المتطلع الطامح . إن كتب الأخلاق عند اليونان ، وكتب الأخلاق في أوروبا ، تعلم الناس كيف يعيشون في مجتمع فيه منافع وشهوات ، وفيه رذائل وجرائم وترشد الشباب إلى أقرب طرق السعادة ، وتوجههم إلى الاحتفاظ بنزاهتهم وطهارتهم في أجواء فيها قذارة وفيها رجاسة ، تعلمهم لتكون روابطهم بالمجتمع أوثق وبأوطانهم أشد ، وتعلمهم الاحتفاظ بشخصياتهم ، فلا تذوب ولا تنحل ، ولا يطغى عليها جانب عاصف من جوانب الحياة ، ولا يتساقطون إذا مارت الأرض تحت أقدامهم . إن المأثور عن أهل البيت عليهم السّلام ثروة عظيمة تعلم الناس كيف يكونون سعداء ، وكيف يكونون فضلاء ، وكيف يتصلون بمجتمعاتهم اتصالا لا يخشى عليه أن ترثّ حباله أو تقطع أو صاله أو يعفي عليه الزمن . إن التعاليم الأخلاقية الإسلامية ، التي انتهت إلينا من الرسول وآله لا تحول بيننا وبين العلم ، الذي هو أساس حضارتنا ، ولا تمنعنا الثروة التي هي مظهر الحضارة ، ولا تصدنا عن اللذائذ والمتعات والطيبات التي هي جزء من حياتنا ، ولا تباعد بيننا وبين السعادة التي هي غاية كل مفكر وهدف كل عاقل ، ومثالية كل طامح ، بل التعاليم تأخذ بأيدينا في مفترق هذه الطرق ، وتقينا التيارات المتضاربة العنيفة ، وتلفتنا إلى المزالق التي يكمن فيها الخطر . إن تقدم الإنسان ماديا يبعث على الدهشة ، وعرف من ألوان الرفاهية والنعيم ما يشبع فهمه ، ويروي غرائزه . ومع هذا التقدم المادي فالفلاسفة وأقطاب السياسة والمصلحون لا يزالون يعلنون أن حقوق الإنسان مقدسة ، يجب المحافظة عليها . والسياسة مهما سمت ديمقراطيتها وتقدمت مبادئها في المحافظة على الأفراد والشعوب ؛ فلا تعدو أن تحقق العدل في توزيع الحقوق ، والأموال ، وتهيئة وسائل السعادة للأمم ، وإفساح المجال للحرية بأنواعها المختلفة ، لتظهر العقول مقدرتها ، والرجال عبقريتها في مختلف الميادين ، ولاستيفاء المظلوم حقه في التقاضي . فالسياسة تتجه نحو المنفعة ، ولا تمس روحية الإنسان وتهذيب طبعه . والأخلاق