تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
إن بواعث الأعمال ، وأساس الأفعال الإنسانية ، قد تكون غريزة وقد تكون عاطفة ، وهذه لا نعدها في الأخلاق الإنسانية ، فالخلق عمل صادر عن إرادة وتفكير ، وغرض وتصور . الغرض لا بد أن يكون حسنه لذاته ، وجماله لذاته ، والذاتي لا يعلل ونفعه للفرد نفسه ، كالصدق والشجاعة ، وقد يتعدى الفرد وقد يكون متمحضا نفعه للمجتمع ، كالعدل والأمانة والوفاء . ونقدر أن نجمل الإشارة إلى الخلق : بأنه طريق السعادة للفرد الإنساني أو المجتمع الإنساني ، وأن الإشارة قد توضح المعنى أكثر من التحديد المنطقي ، لأن الحدود والرسوم قد توقع المعنى في عسر ، والناظر في ضيق فيضيع الغرض المقصود أمام صناعة لفظية . في الأمة الإسلامية طرأت تغيرات على مفاهيم الأخلاق ، فعلى عهد الرسول وآله وصحابته ، كان الخلق يدل على مفهوم يعين على الحياة الفاضلة . وهو طريق السعادة الإنسانية ، ويدل على معنى إيجابي ذي صدى بعيد في تكوين الحياة العاملة الطاهرة . ولما جاء دور الانحطاط وشاع التصوف ، وذهب الأمر من العرب إلى قوم آخرين : كالترك ، والتتر ضاع المفهوم الإيجابي وحلت النواحي السلبية ، فبعدت الأخلاق عن الحياة الاجتماعية ، وأصبحت الأخلاق أداة من أدوات الانحلال والانكماش والانعزالية . وأصبحت أمهات الفضائل : الزهد والتوكل والتسليم والرضا والقناعة ، وهذه هي التي ذكرها السبزواري في منظومته ، وكانت هذه أخلاق المتصوفة ، الذين أقصى همهم في الحياة ، الفناء . حتى السعادة التي يطلبها هؤلاء الناس لم تعد سعادة توجد على الأرض ، أو في دار الدنيا ، بل انحصر وجودها في أنظارهم في العالم الأخروي ، وأصبح إصلاح الحياة ورقي الحياة والرفاهية في الحياة شيئا ممقوتا ، وعملا مبعدا من اللّه وعمران الدنيا من عمل أهل الدنيا ، الذين ليس لهم