تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
« قال بعض المجاورين بمكة : كانت عندي دراهم أعددتها للإنفاق في سبيل اللّه ، فسمعت فقيرا قد فرغ من طوافه وهو يقول بصوت خفي : أنا جائع كما ترى ، عريان كما ترى ، فما ترى فيما ترى يا من يرى ولا يرى ؟ فنظرت فإذا عليه خلقان لا تكاد تواريه ، فقلت في نفسي : لا أجد لدراهمي موضعا أحسن من هذا فحملتها إليه ، فنظر إليها ثم أخذ منها خمسة دراهم فقال : أربعة دراهم ثمن مئزرين ودرهم أنفقه ثلاثا ، فلا حاجة بي إلى الباقي فرده ، قال : فرأيته الليلة الثانية وعليه مئزران جديدان ، فهجس في نفسي منه شيء فالتفت إلي فأخذ بيدي فأطافني معه أسبوعا كل شوط منها في جوهر من معادن الأرض ، يتخشخش تحت أقدامنا إلى الكعبين منها ذهب وفضة وياقوت ولؤلؤ وجوهر ، ولم يظهر ذلك للناس ، فقال : هذا كله قد أعطانيه فزهدت فيه وآخذ من أيدي الخلق ، لأن هذه أثقال وفتنة ، وذلك للعباد فيه رحمة ونعمة » . والمقصود من هذا ، أن الزيادة على قدر الحاجة إنما تأتيك ابتلاء وفتنة ، لينظر اللّه إليك ما ذا تعمل فيه ، وقدر الحاجة يأتيك رفقا بك ، فلا تغفل عن الفرق بين الرفق والابتلاء ، قال اللّه تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
« 1 » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا حق لابن آدم إلا في ثلاث : طعام يقيم صلبه ، وثوب يواري عورته ، وبيت يكنه ، فما زاد فهو حساب » . فإذن أنت في أخذ قدر الحاجة من هذه الثلاث مثاب ، وفيما زاد عليه إن لم تعص اللّه متعرض للحساب ، وإن عصيت اللّه فأنت متعرض للعذاب » .

نوادر السائلين

جاء في كتاب ( المحاسن والمساوىء ) تأليف البيهقي - : « قال الجاحظ سمعت شيخا من المكدين وقد التقى مع شاب منهم قريب العهد بالصناعة ، فسأله الشيخ عن حاله ، فقال : لعن اللّه الكدية ولعن أصحابها من صناعة ، ما أخسّها وأقلها إنها ما علمت تخلق الوجه وتضع من الرجال ، وهل رأيت مكديا أفلح . قال : فرأيت الشيخ قد غضب والتفت إليه فقال : يا هذا ، أقلل من الكلام فقد أكثرت ، مثلك لا يفلح لأنك محروم ولم تستحكم بعد ، وإن للكدية رجالا فما لك ولهذا الكلام ؟ ثم التفت فقال : اسمعوا باللّه يجيئنا كل نبطي قرنان وكل حائك صفعان ، وكل ضراط كشخان ، يتكلم
هامش
( 1 ) سورة الكهف ، الآية 7 .