على المشي بمشقة ، فهذا أيضا ينبغي أن تسترسل عليه الإباحة لأنها حاجة محققة ولكن الصبر عنه أولى وهو بالسؤال تارك للأولى ، ولا يسمى سؤاله مكروها مهما صدق في السؤال ، وقال ليس تحت جبتي قميص والبرد يؤذيني أذى لا أطيقه ، ولكن يشق علي ، فإذا صدق فصدقه يكون كفارة لسؤاله .
وأما الحاجة الخفيفة : فمثل سؤاله قميصا ليلبسه فوق ثيابه عند خروجه ليستر به الخروق التي في ثيابه عن أعين الناس ، كمن يسأل لأجل الأدم وهو واجد للخبز ، وكمن يسأل الكراء لفرس في الطريق وهو واجد كراء الحمار ، أو يسأل كراء المحمل وهو قادر على الراحلة .
فهذا ونحوه إن كان فيه تلبيس حال ، بإظهار حاجة غير هذه فهو حرام . وكذلك لو كان فيه شيء من المحذورات الثلاثة من الشكوى أو الذل أو إيذاء المسؤول فهو حرام ، لأن مثل هذه الحاجة لا تصلح لأن تباح بها هذه المحذورات ، وإن لم يكن فيه شيء من ذلك فهو مباح مع الكراهة .
آداب الفقير في قبول العطاء إذا جاءه بغير سؤال
جاء في كتاب ( المحجة البيضاء ) تأليف الشيخ الجليل ( ملا محسن الفيض ) :
« ينبغي أن يلاحظ الفقير فيما جاءه ثلاثة أمور : نفس المال ، وغرض المعطي ، وغرضه في الأخذ :
أما نفس المال : فينبغي أن يكون حلالا خاليا عن الشبهات كلها ، فإن كان فيه شبهة فليحترز من أخذه .
وأما غرض المعطي فلا يخلو إما أن يكون غرضه تطبيب قلبه وطلب محبته وهو الهدية ، أو الثواب وهو الصدقة والزكاة ، أو الذكر والرياء والسمعة ، إما على التجرد وإما ممزوجا ببقية الأغراض .
أما الأول وهو الهدية فلا بأس بقبولها ، فإن قبولها سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولكن ينبغي أن لا يكون فيها منة ، وإن كان فيها منة فالأولى تركها ، فإن علم أن بعضها مما تعظم فيه المنة فليرد البعض دون البعض ، فقد أهدى رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سمنا وأقطا وكبشا ، فقبل السمن والأقط ورد الكبش . وكان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقبل من بعض الناس ويرد على بعض . وفعل هذا جماعة من الصحابة والتابعين . وجيء بصرّة إلى فتح الموصلي فيها