فكأن ذاك العيش ظل غمامة * وكأن ذاك اللهو طيف منام
وقال أيضا :
شبابي كيف صرت إلى نفاد * وبدلت البياض من السواد
وما أبقى الحوادث منك إلا * كما أبقت من القمر الدآدي
فراقك عرف الأحزان قلبي * وفرق بين جفني والرقاد
فيا لنعيم عيش قد تولى * ويا لغليل حزن مستفاد
كأني منك لم أربع بربع * ولم أرتد به أحلى مراد
سقى ذاك الثرى وبل الثريا * وغادى نبته صوب الغوادي
فكم لي من غليل فيه خاف * وكم لي من عويل فيه باد
زمان كان فيه الرشد غيا * وكان الغي فيه من الرشاد
يقبلني بدل من قبول * ويسعدني بوصل من سعاد
وأجنبه فيعطيني قيادا * ويجنبني فأعطيه قيادي
وفي معادن الجواهر ، قال ابن الرومي :
أبين ضلوعي جمرة تتوقد * على ما مضى أم حسرة تتجدد
خليلي ما بعد الشباب رزية * يجم لها ماء الشؤون ويعتد
فلا تعجبا للجلد يبكي فربما * تفطر عن عين من الماء جلمد
شباب الفتى مجلوده وعزاؤه * فكيف وأنى بعده يتجلد
وفقد الشباب الموت يوجد طعمه * صراحا وطعم الموت بالموت يفقد
رزئت شبابي عودة بعد بدأة * وهن الرزايا باديات وعود
سلبت سواد العارضين وقبله * بياضهما المحمود إذ أنا أمرد
وبدلت من ذاك البياض وحسنه * بياضا ذميما لا يزال يسود
لشتان ما بين البياضين معجب * أنيق ومشنوء إلى العين أنكد
وكنت جلاء للعيون من القذى * فقد جعلت تقذى بشيبي وترمد
هي الأعين النجل التي كنت تشتكي * مواقعها في القلب والرأس أسود
فما لك تأسى الآن لما رأيتها * وقد جعلت مرمى سواك تعمد
تشكى إذا ما أقصدتك سهامها * وتأسى إذا نكبن عنك وتكمد
كذلك تلك النبل من وقعت به * ومن صرفت عنه من القوم مقصد
إذا عدلت عنا وجدنا عدولها * كموقعها في القلب بل هو أجهد